ملحم الرياشي
الجمهورية
حين يسقط الديكتاتور المغلّف بنار قضية، ثار لاجلها وصال وجال وقاتل، يعرف انه كان على حق! او قل كان يظنّ نفسه على حق، لانه ناضل لاجل منطقه وقضيته، وقُتل للغاية نفسها، وارتكب المجازر واحترف الاذلال للغاية نفسها، واستجلب الارواح السود من الاجسام التي علّقها على الاعمدة، وتدلّت بلا اوردة؛
حينذاك يتجلّى الفرق بين ديكتاتور قائد صنعه هوسه وهوس مؤيديه برؤيا او بقضية، وبين ديكتاتور جبان صنعته الصدفة او وضعه تراكم الاحداث في المكان الخطأ، أي ... السلطة!
كان هتلر كاتباً وصحافياً ومكافحاً وصاحب رؤيا ثاقبة في علم الاعلام والدعاية، وكان حريصاً على كرامته حرصه على تفوق العرق الآري والنازية، لكنه بالرغم من ذلك، سمح للجنرال هيلموت فايدلينغ قائد منطقة برلين الدفاعية، بالفرار بعد نفاذ ذخيرته، اما هو فقد فقدَ ثقته حتى بكبسولة السيانيد، ولم يتردد ظهر 30 نيسان 1945، في استعمال مسدسه لوضع حدّ "لحلم نيتشوي" مجنون، لا يمكن ان يتحقق.
عنفوان ادولف هتلر ورجولته، تفوقا على الهزيمة واثبتا في نظره على الاقل، وجهة نظره. فمات آخذاً في رماده شرف المتسلطين المرضى المهووسين بأنهم حكام-آلهة. وبعدها، لم يعد هناك من شرف لمعظم الديكتاتوريين.
بعد أدولف هتلر، وفي زمنٍ غير بعيد، خضع العالم العربي تدريجاً، لسلطة ذلك المرض العبثي نفسه، لتنتقل السلطة "تصاعدياً"، من مجموعة، الى حزب فشخص وعائلة وازواج واصهار، ولكن هذه الديكتاتوريات كانت تفتقد الى وازع والى قضية. القذافي كان ابهاها لانه استنبط كتاباً سخيفاً فرضه على شعبه والقذاذفة وكل ليبيا نهجاً ومدرسة، ليصبح بمثابة الكتب المقدسة، ولكنه كما سواه استباح كل القدسيات والاخلاقيات، فاستغلّ شعبه واستغله تجار خوارج، يبيعون ويشترون في ارضه، ويهرّبون امواله (اموال ليبيا) ويحوّلونها رأسمالٍ خطير مريض، وناشىء عن مريض وجبان بلغت حقارته حدود الصراخ والعواء والبكاء امام من ذلّهم دهراً وقدّم لهم يمناه لتقبيلها ذلاً: "دخيلكون ما تقتلوني"!
وهكذا صدام حسين، سخيف ايضاً وقاتل و"مبشّر" ولكن من دون كتاب اخضر، انما عمد الى الاختباء في انفاق الجرذان كما معمّر القذافي.. ساكن القصر تـحوّل بطرفة عين الى جرذ، يزحف سحلاً ويجرّ بطنه على الارض ورأسه الى اسفل.
ويعبرُ الربيع الى تونس، حيث تحوّل رماد البوعزيزي الى فينيقها القائم، ليفرّ ساكن القصر بن عليّ، كما الارنب الى الخارج؛ ويبلغ الربيع مصر بعد انتظار احنى كتفيها حتى استلقت على رمال الصحراء.. مصر التي ورثها مبارك كما أُسَر الفراعنة، واراد توريثها لنجله، مع فارق ان الفراعنة شيّدوا اعظم حضارات التاريخ.. ليخرج بعدها من القصر ويدخل المحكمة على سرير... عليل في السلطة وعليل في النفي. انها لعنة الديكتاتورية، حين يثور الربيع!
وربيع العرب الفتيّ هذا، يعصف اليوم في اليمن وفي سوريا، حيث لن ينتظر الزهرُ طويلاً ليخرق التراب ويخترق القصر؛ حتى ولو بادر نظام "شفير الهاوية" الى اقتناص الفرصة العربية في آخر ساعات الايام الخمسة عشرة لارسال وفده الى القاهرة، والتجاوب الشكلي لكسب المزيد من الوقت، لكن المبادرة اهملت بندها الاول، اي وقف القتل والعنف، وابقت على ما تيسّر للايام السبعة الاخيرة القاسية على السوريين من مبادرتها.
الفرق شاسع بين ابن القصر ولو عاش في كوخ، وبين ساكن القصر ولو استقرّ في القصر عمراً، لان ابن القصر لا يخرج منه الا جثة هامدة، اما الساكن، فيهرول هارباً ولو ادعى عكسَ العكس!
ملاحظة في الاساس: أصرّ الجنرال الارجنتيني ماريو ميننديز على عدم مغادرة جزر المالوين الا جثة هامدة وقال في حينه: "لن اغادر الا جثة، وسوف ابقى ولو اضطررتُ ان اقاتل بالسكاكين"، لكنه فرّ على اثر الهجوم البريطاني، قبل ان يصبح جثة... وبعد مدة، التقط له احد الصحافيين صورة وضعها على غلاف صحيفته وكتب تحتها: "شوهدت جثة الجنرال ميننديز تتمشى في شارع "نويفي دل خوليو" في الارجنتين"!