بعد ان قرر بعض من اعضاء الامانة العامة لقوى 14 آذار معززين ببعض الشخصيات الشبه مستقلة المقربة من خط ثورة الارز، عقد خلوة في دير سيدة الجبل، ومع امتناع القيمين على الدير من استقبال المنظمين قرر هؤلاء عقد خلوتهم في فندق ريجنسي بالاس في ادما.
وفي تفاصيل التحضير للمؤتمر اعترضت شخصيات عديدة على الخلوة وفي مقدمتها الشخصيات والاحزاب المتموضعة في الاكثرية في حين اتت الضربة الكبرى من داخل فريق المعارضة وتحديدا من حزب الكتائب اللبنانية الذي صرح منسق اللجنة المركزية النائب سامي الجميل:" لا نشارك في شيء لم نساهم في تحضيره".
اما تفاضيل الخلوة فقد بدأت في قراءة الوثيقة وتم التباحث بها واعلن المجتمعون ان مقررات الخلوة ستعلن في 27 الحالي، وتركز البحث على "دور المسيحيين في الربيع العربي"، ودور الكنيسة في اطلاق ربيع لبنان الذي شكل الإشارة الأولى لربيع العرب، واشار المجتمعون الى ان نداء المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000-والكلام للمجمع البطريركي الماروني-
وذكّر البيان ايضا "بأن الكنيسة كانت سباقة في مطالبتها يقيام الدولة المدنية، الحديثة والديمقراطية القائمة ، كما جاء في المجمع البطريركي الماروني، على "التوفيق بين المواطنية والتعددية" وعلى "التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، بدلاً من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينية لها صفة المطلق"، لافتا الى ان "هذه المسألة باتت اليوم مطروحة بقوة في كل الدول التي تحررت من أنظمة الاستبداد".
كما اشار اللقاء الى دور الكنيسة في بلورة مفهوم العيش المشترك بما "يتخطى مستوى التساكن أو التعايش بين المجموعات المتعددة" ليشكل نمط حياة مميزاً، دون إلغاء للخصوصيات والفوارق التي تصبح في هذه الحال مصدر غنى للجميع".
واعلن اللقاء رفضه "وضع المسيحيين في مواجهة ربيع العرب الذي يرتكز الى قيمتي الحرية والعدالة"، مشيرا الى ان "هذا الربيع العربي يشكل خبراً سعيداً للبنان، الذي ظل، على مدى أكثر من نصف قرن، موضوعاً لمحاولات حثيثة رمت، بدعوى "تعريب" نظامه، الى جعله شبيهاً بالأنظمة المحيطة، أما اليوم، فها هي المنطقة العربية تنحاز الى معنى لبنان، بما يحمله هذا المعنى من قيم الحرية والديمقراطية والتعددية والانفتاح على العالم".
كما اكد لقاء سيدة الجبل رفضه "ربط مصير المسيحيين بمصير أنظمة القمع والاستبداد التي حولت العالم العربي الى سجن كبير، فاخرجت شعوبها من الحاضر والمستقبل ووضعتها على هامش التاريخ"، معلنا عدم قبول "أن نكون مع الجلادين ضد الضحايا".
ورفض اللقاء "كل المشاريع الهادفة الى ضرب الحضور المسيحي الاصيل في هذا الشرق وتحويل المسيحيين الى مجرد أقلية تبحث عن حماية لها من هنا أو هناك"، مشيرا الى ان الخلاف ليس خلافاً حول اختيار الجهة التي يوكل لها مهمة تأمين الحماية انما هو خلاف حول مبدأ الحماية الذي يحول المسيحيين الى أهل ذمة ويفقدهم حضورهم ودورهم".
واكد اللقاء رفضه العنف الذي يواكب الربيع العربي "فهو عنف الأنظمة الاستبدادية في مواجهة مطالب الشعوب المشروعة، وهو أيضاً وفي الوقت نفسه عنفُ قوى التطرف التي ما زالت تتشبَّث بمنظومات ايديوليجية متداعية، وتحاول جاهدةً وقف عجلة التاريخ".
وطالب اللقاء "باطلاق دينامية مدنية في الوسط المسيحي قادرة على التواصل مع ديناميات مدنية شبيهة لها في الطوائف الأخرى وفي المجتمع المدني من أجل إعادة الحياة الى ربيع لبنان والتشارك مع القوى الديمقراطية التي ظهرت في ربيع العرب لوضع الأسس لعالم عربي ديمقراطي وتعددي قادر على استعادة دوره وموقعه في العالم".
واكد انه يريد "استعادة دور المسيحيين التاريخي في الشرق والمساهمة في اطلاق نهضة عربية ثانية تؤسس لثقافة جديدة، "ثقافة العيش معاً"، داعيا ايضا لانهاء دورة العنف المستمرة منذ عقود وبناء سلام لبنان بالتعاون مع كل المخلصين، لافتا الى "اننا اليوم أمام لحظة مصيرية: إما العودة بلبنان الى ما كان عليه في العقود الثلاثة الأخيرة، ساحة عنف مجاني للقوى الاقليمية والخارجية، وإما إعادة صوغ لبنان بلداً يطيب العيش فيه، ودولة قادرة على النهوض بمسؤولياتها".
وشدد اللقاء على "أنّ مصير كلّ واحد منا مرتبط بمصير الآخر، وأنّ خلاص لبنان يكون لكلّ لبنان أو لا يكون، ويقوم بكلّ لبنان أو لا يقوم، ذلك أنّه ليس من حلّ لمجموعة دون أخرى، ولا لمجموعة على حساب أخرى"، مؤكدا ضرورة استعادة الدولة لسيادتها المفقودة منذ العام 1969 وتأكيد حقها الحصري في امتلاك القوة المسلحة، معتبرا انه "لم يعد مقبولاً ولا مبرراً وجود جيشين في دولة واحدة، يخضع أحدهما لإمرة السلطة الشرعية، ويخضع الآخر لإمرة حزب سياسي أو دولة أجنبية".
ورأى اللقاء ان سلام لبنان يحتاج الى تحرير الدولة من صراعات الطوائف عليها والشروع، تأسيساً على اتفاق الطائف، في بناء دولة مدنية، ويحتاج الى إنهاء حقبة سوداء في تاريخ العلاقات اللبنانية-السورية ودعم القوى التي تناضل من أجل قيام نظام ديمقراطي في سوريا،
ويحتاج الى طي صفحة الماضي مع الفلسطينيين، ودعم الجهود الرامية الى إقامة دولة فلسطينية مستقلة هي شرط السلام في المنطقة.
واكد اللقاء ان "تحديد دور المسيحيين في الربيع العربي ليس شأناً مسيحياً خاصاً، إنما هو شأن المسلمين أيضاً، وهو شأنهما معاً وسوياً، ذلك أن المسيحيين في الشرق، كما جاء في رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك الأولى، هم جرء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين، كما أن المسلمين في الشرق هم جرء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين".
وكان الأمين العام لقوى 14 آذار فارس سعيد افتتح خلوة "لقاء سيدة الجبل"، حيث لفت الى "اننا كلبنانيين بوجه عام، وكمسيحيين خصوصاً، نواجه ما يحدث بذهنيّةٍ محليّة فئوية، وبحسابات صغيرة وبتردُّد الخائفين، بدلاً من شجاعة المبادرين".
وشدد على ان "ضمانتنا الوحيدة كمسيحيين هي في إبداعِنا وتألُّقنا داخل سربنا العربي لا خارجَه، كما ان ضمانتنا كلبنانيين هي في وحدتنا وتضامننا، مسلمين ومسيحيين، ذلك التضامن الذي أطلق "الربيع العربي" مع انتفاضة الإستقلال عام 2005".
المحامي الياس مخيبر اعلن بدوره رفض حمايةَ أحد، أيّ أحد من الدّاخل أو من الخارج على حدٍّ سواءٍ، متمسكا "بانتمائنا إلى الدولة المدنيّة لأنها هي التي توفّر الضمانة الأكيدة والوحيدة، في حين أن الدويلة هي التي ستجرُّ حتماً الويلات على رَعاياها وتُدخلنا في مشاريع التفتيت المشبوهة".
ولفت الى "أن توافقَ اللبنانيينَ على رفض استعمال العنف كوسيلة للقبض على السلطة وتحقيق مكاسبَ سياسية، واعترافُهم ببعضِهم البعض وبخصوصياتهم هو الحلّ".
اما الصحافي ميشال حجي جورجيو، فأكد انه "لا يمكننا إلا دعم الحركات التحررية، لأنها تعبر عن توق هذه الشعوب إلى المصالحة مع نفسها وإلى السلام بعد عقود من العبودية والظلم".
ولفت الى ان "الثورة السورية هي في عمقها وماهيتها مسيحية، لأنها كالمسيح بتضحيته على الصليب، تكشف يوم بعد يوم مدى البربرية الوثنية لهذا النظام السوري وتعطشه للعنف والفوضى والدم".
بدوره، شدد سامي نادر على ان التعرض لكرامة الإنسان لا يجوز من قبل أي كان، معتبرا انها "مفارقة أننا وُضِعنا أو وَضَعنا أنفسنا مدركين أو غير مدركين أمام خيارين وكأن لا ثالث لهما، وكأنما يجب أن نختار أما النظام القمعي الديكتاتوري أو نظاماً أصولياً دينيا، والنظامين يشكلان اعتداءً على كرامة الإنسان. ونحن على هذا الأساس مدعوون الى رفض الإثنين حتى لو كان واحدٌ حقيقة واقعة والثاني حقيقة إفتراضية".
واكد ان "الخوف لا يبرر الإنصياع، والحذر لا يبرر السكوت ولا العزوف"، لافتا الى ان "حجر البناء الأساس لما بعد الربيع العربي هو كرامة الإنسان وحريته".
اما الكاتب والباحث في الشؤون الفلسطينية زياد الصائغ فلفت الى ان"الشعوب العربيّة إنتفضت، والأنظمة التّوتاليتاريّة تتهاوى، كما ان لا مكان لأصوليّاتٍ مُفترضة آتية، إنّه زمن تحرير القضيّة الفلسطينيّة من مُصادِريها". واعتبر "اننا نحتاج في الرّبيع العربيّ الى قناعةً مسيحيّة قاطعة بأنّ العدالة وحدها تصنع السّلام، وقيام دولة فلسطين بداية السّلام". وشدد على انه "علينا كمسيحيّين إطلاق لاهوت تحرير عربيّ من لبنان على قاعدة الإنتماء الموقعيّ والإلزام الزمنيّ، في نسج شهادةٍ إيمانيّة جريئة رفضاً للظلم، ودفاعاً عن قضايا العدل، ولا ينشأ ذلك سوى بتلاقحي مسيحيّ-إسلاميّ حتميّ".
بدوره، رأى البروفسور أنطوان قربان "اننا أمام ولادة نظام جديد في العالم العربي لم تتبلور معالمه بعد"، معتبرا انه "لا يمكن طلب ضمانات مسبقة لأي جماعة فئوية تشارك في هذا الربيع".
وشدد على ان "الربيع العربي هو انتفاضة على أنظمة فئوية قطّعت مفاصل الحياة العامة واستباحت المواطنة لصالحها وانتهكت إنسانية البشر فحولتهم إلى دواجن".
واعلن انه "ليس خائفاً ولا مبالياً بمحاولات التخويف"، متمنيا ان يثمر الربيع العربي في لبنان "بثورة على الذات في الذهنية المسيحية تُحرّر المواطن من رواسب عقلية أهل الذمة والعصبيات الفئوية".