15 Nov 201409:56 AM
البترول والغاز في لبنان نعمة أم نقمة؟

ما زال طبعاً من المبكر تكوين فكرة واضحة عن حجم وقيمة احتياطي البترول والغاز الطبيعي الممكن وجوده في باطن الأرض براً، وفي أعماق البحر على مقربة من الشواطئ اللبنانية. إلا ان ما أصبح واضحاً، على ضوء المسوحات الزلزالية التي تمت حتى الآن، ونتيجة لأسلوب التعاطي الرسمي مع هذا الموضوع الحيوي بالنسبة لنا جمعياً، هو أنه لم يعد من المبكر على الإطلاق مراقبة ما يجري عن كثب ورسم معالم التحديات التي يواجهها لبنان جراء انطلاق مرجو لصناعة بضخامة صناعة البترول والغاز. تحديات تنطوي حتماً على فرصة تاريخية لإنعاش الاقتصاد الوطني، وتنويع مرافق الإنتاج، وحل مشاكل البطالة والهجرة ودين خانق يناهز 65 مليار دولار، وغير ذلك من مصاعب الحياة اليومية التي يعاني منها معظم اللبنانيين. إنما هي أيضاً تحديات تحمل في طياتها لسوء الحظ العديد من الآفات والمخاطر التي أدى إليها البترول في بلدان نامية أخرى، آفات ولعنات عنوانها التضخم المالي والفساد واتساع فجوة الفروقات في الدخل بين مختلف طبقات المجتمع الواحد. هذا ما حدث في بلدان كفنزويلا ونيجيريا وأنغولا، حيث بيوت وأكواخ الأحياء البائسة التي تفتقر إلى الماء العذب والكهرباء تطوق مربعات الرخاء الخاصة بالأثرياء والمقربين من تجار السياسة. هذا ناهيك عن الحروب والنزاعات التي مزقت الكيانات السياسة في العراق واليمن والسودان وليبيا.
تحدي كبير آخر يكمن في ضرورة حماية البيئة وتجنب كوارث شبيهة بتلك التي حلت في خليج المكسيك وألسكا وغيرها، خاصة وأن عمليات الحفر والإنتاج في المياه اللبنانية سيتم أحياناً في أعماق تتجاوز 5,000 متر تحت قاع البحر. هذه كلها أمور تعكس جسامة المسؤولية التي تقع على من يهيئ انطلاق صناعة البترول والغاز في لبنان.
فإلى أين نحن سائرون؟ للإجابة عن هذا السؤال يكفي النظر إلى أمرين أساسيين. الأول هو تقدير حجم وقيمة الثروة المرجوة، أما الثاني فهو التمعن في التدابير القانونية والإدارية التي تم اتخاذها حتى الآن ومقارنتها بالدراسات المتكاملة والتخطيط المسبق الذي لا بد منه لاستثمار هذه الثروة على أفضل وجه، وتفادي الكوارث التي ما زلنا نشاهدها في بلدان أخرى.

ثروة تقدر بمئات المليارات

تشير التقديرات الأولية التي أدت إليها المسوحات الزلزالية الثنائية والثلاثية الأبعاد مقابل الشواطئ اللبنانية، والتي غطت كامل المنطقة الاقتصادية الخالصة، إلى احتمال وجود مخزون يبلغ حوالي 96 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و860 مليون برميل مكثفات وبترول خام. ولا بد من النظر إلى هذه الأرقام بكثير من التحفظ إذ إن عمليات الحفر قد تثبت أنها مضخمة أو ربما تؤكد عكس ذلك. على سبيل المقارنة، يقدر مجموع مخزون الحقول التي تم فعلاً اكتشافها تحت المياه الإسرائيلية بحوالي 36 تريليون قدم مكعب من الغاز تعتبر الدراسات الأكثر جدية أنها تؤمن لإسرائيل دخلاً بحدود 170 مليار دولار، بشكل إتاوات وضرائب، ونتيجة لاستخراج كامل الاحتياطي الثابت من مجموع المخزون.
أما في لبنان، ومع الأخذ بعين الاعتبار المخزون المحتمل للبترول والغاز معاً، تشير التقديرات الأولية إلى دخل ممكن قد لا يقل عن ضعفي الدخل الذي تتأمله اسرائيل، أي حوالي 340 مليار دولار. هذا مع العلم بأن مخزون الغاز فقط في الرقع رقم 1 و4 و9، من أصل الرقع العشر المعروضة لرخص تنقيب، يقدر بحوالي 43 تريليون قدم مكعب، أي أكثر بنسبة 23% من مجموع ما تم اكتشافه في الجانب الإسرائيلي.
إلا أن الأهم من ذلك هو أن الفوائد التي يمكن أن يجنبها لبنان من هذه الثروة لا تقتصر على قيمتها التجارية، بل تتجاوز ذلك بكثير إذ إنها تشمل أيضاً فوائد غير مباشرة، منها تطوير صناعات ونشاطات اقتصادية مرتبطة بصناعة البترول والغاز، وتوفير فرص عمل لعشرات آلاف اللبنانيين، وتحسن قيمة صرف الليرة اللبنانية، وارتفاع الناتج القومي بمعدل 1 إلى 2 سنوياً، واستعمال الغاز لتوليد الكهرباء وسد حاجات الاستهلاك بكلف أقل من البترول المستورد، وانتعاش ثقة المستثمرين اللبنانيين والأجانب بالاقتصاد الوطني، إلخ...

تعتيم وانحرافات

بانتظار عمليات الحفر التي يمكنها وحدها تأكيد وجود وحجم الثروة البترولية والغازية، تتركز جهود السلطات المعنية على تسليط الأضواء على مليارات الدولارات التي قد تتدفق على لبنان وتداعب أحلام اللبنانيين، في حين أنها تصرف الانتباه عما لا يقل أهمية عن ذلك في المرحلة الراهنة، ألا وهو التوافق على أفضل نظام استثمار ممكن، وعلى سائر التدابير اللازمة كي يكون البترول والغاز فعلاً ثروة لجميع اللبنانيين، للجيل الحالي وللأجيال القادمة. هذا كله لا يمكن أن يتحـقق إلا من خلال حوار عام وشفاف تشارك فيه كل الجهات المعنية، من المجلس النـيابي إلى المجتمع المدني، مروراً بوسائل الإعلام والمراكز المختصة والجامعات التي من حق لبنان أن يفخر بها.
ومن المؤسف أن شيئاً من هذا القبيل لم يحصل حتى الآن، ولا يمكنه أن يحصل طالما أن النصوص القانونية والإدارية المقترحة لانطلاق صناعة البترول والغاز ما زالت مخبأة في أدراج وزارة الطاقة ومحاطة بسرية لا يقل التكتم حولها عن أخطر أسرار الدولة! وفي طليعة هذه النصوص مشروعا المرسومين المتعلقين بدفتر شروط منح حقوق تنقيب وإنتاج، من جهة، ونموذج الاتفاقيات مع الشركات البترولية، من جهة ثانية. ومن الغرائب أن الكل يتحدث منذ ما يقارب العامين عن ضرورة إقرار أو عدم إقرار هذين المرسومين من قبل مجلس الوزراء، في حين أن الاطلاع على مضمونهما ما زال محصوراً على هيئة أعضاء البترول والشركات الأجنبية وعدد ضئيل من المسؤولين. هذا مع العلم بأن هذا النوع من النصوص وغيرها من التشريع البترولي ينشر ويباع في المكتبات في بلدان العالم الأخرى.
واقع الحال هذا أمر أقل ما يمكن أن يقال فيه هو أنه مقلق للغاية لكل من تمكن من الاطلاع على نصوص المراسيم المذكورة وعلى غيرها من التدابير والتصرفات التي تنطوي على عدد من الانحرافات الفريدة من نوعها. وأهم هذه الانحرافات يتمثل في إتاوات وضريبة دخل هي الأدنى في البدان المنتجة للبترول والغاز. يضاف إلى ذلك تقاسم أرباح تحدده عملياً الشركات الأجنبية، وانعدام أية مراقبة فعلية على نشاطات وحسابات هذه الشركات. ومن الطريف حول هذه المراقبة أن المادة 20 من مشروع الاتفاقيات المقترحة ينص على أن الدولة اللبنانية تتحمل نفقات تدريب اللبنانيين على يد الشركات البترولية العاملة، وتضيف نفس المادة على أن هذا التدريب لا يشمل «المدققين المتوقع منهم تدقيق دفاتر وحسابات أصحاب الحقوق»، مما يعني بالقلم العريض أن الشركات ليست ملزمة بتدريب اللبنانيين على فهم حساباتها!
ولا يقل خطراً عن ذلك أن من صاغ المراسيم السرية المذكورة قد قرر، من دون أي تفسير أو تبرير، صرف النظر عن إنشاء شركة بترول وطنية نص عليها قانون 2010/132 وعن ضرورة مساهمة هذه الشركة في العمليات البترولية، جنباً إلى جنب مع الشركات الأجنبية. وهو بذلك قد أطلق رصاصة الرحمة على الدور المحوري الذي يجب على الدولة أن تلعبه في استغلال ثرواتها.

نظام استثمار من الأسوأ في العالم

هذا كله يعيد لبنان عشرات السنين إلى الوراء عندما كان بعض حكام الخليج يبصمون بالإصبع على نصوص امتيازات تفتح الباب على مصراعيه أمام شركات أجنبية لتسرح وتمرح من دون حسيب أو رقيب. وإن كان عذر أولئك الحكام آنذاك أن بلدانهم كانت مستعمرة وأن ظروف الحياة لم تتح لهم حظ تعلّم القراءة والكتابة، فما هو يا ترى عذرنا اليوم في لبنان؟ وما هو سبب امتناع المسؤولين عندنا عن تحمل مسؤولياتهم وإنشاء شركة بترول وطنية، تكون عين وذراع الدولة في صميم هذه الصناعة، في حين أن كل الدول العربية من الخليج إلى المحيط قد أممّت الامتيازات المشؤومة منذ أكثر من 40 عاماً وطورت شركات وطنية أصبحت تسيطر على كل مراحل صناعة البترول والغاز، كما أن معظمها أصبح من عداد كبريات الشركات العالمية.
على ضوء هذا الواقع يمكن القول من دون مبالغة أن نظام الاستثمار الذي تم تصميمه في لبنان هو، من حيث تأمين المصالح الوطنية، من أسوأ الأنظمة المعمول بها في العالم، إن لم يكن أسوأها على الإطلاق. وذلك لأسباب عدة تتمثل أولاً في خسائر مالية تبلغ عشرات المليارات من الدولارات جراء التدني الفريد من نوعه في مستوى الإتاوات والضرائب، وثانياً في تخلي الدولة عن صلاحياتها ومسؤولياتها على صعيد المساهمة الفعلية في النشاطات البترولية عبر شركة وطنية تتيح للبنان إمكانية مراقبة حسابات وعمليات الشركات الأجنبية، وتكوين جيل من الكوادر والفنيين يشارك في هذه الصناعة ويتولى إدارتها بعد قليل من السنين. ولا يسع كل من تابع عن كثب ظروف وخفايا التشريع البترولي اللبناني إلا أن يتساءل عما إذا كان مهندسو هذا التشريع يمثلون الدولة أم مصالح أخرى. ومما يزيد في الشكوك وعلامات الاستفهام حول هذا الموضوع ما رشح مؤخراً من معلومات مفادها أن شركتين على الأقل من أصل 46 شركة أعلنت وزارة البترول وهيئة إدارة قطاع البترول رسمياً عن تأهيلهما للحصول على حقوق استكشاف وإنتاج، هما «شركتان» لا وجود لهما إلا على الورق، وليس لهما مكاتب في لبنان أو الخارج، ولا تملكان بطبيعة الحال لا الخبرة ولا أية قدرة فنية أو مالية، للعمل في صناعة البترول. الشركة الأولى المسماة Petroleb قام بتسجيلها منذ أقل من ثلاث سنوات أفراد لبنانيون بينهم اثنان كانا يعملان كمستشارين لوزارة الطاقة. لا بل أن أحدهما شارك في صياغة التشريع البترولي اللبناني. أما الشركة الثانية المسماة Apex Gas فقد تم تسجيلها في هونغ كونغ برأسمال لا يتجاوز 10,000 آلاف دولار هونغكونغي، مما يعادل 1,240 دولار أميركي فقط لا غير! ومن مزايا تسجيل شركة في هونغ كونغ أنه يسمح بإخفاء أسماء المستفدين الحقيقين لقاء رسوم زهيدة.
خطورة الموضوع لا تكمن في محاولة بعض المغامرين القيام بدور الوسيط أو الممثل الصوري لهذا أو ذاك، بل في إقدام وزارة الطاقة والهيئة التابعة لها على تأهيل شركات وهمية للحصول على حقوق تنقيب وإنتاج جنباً إلى جنب مع شركات عالمية.

الشفافية أولاً وأخيراً

لم يعد من المستغرب بعد هذه الانحرافات والبهلوانيات أن تفرض السرية التامة على «السياسة» البترولية اللبنانية، كما تنص على ذلك حبراً على ورق، تحت عنوان «الالتزام بالسرية»، المادة 35 من نموذج اتفاقيات التنقيب والإنتاج التي تؤكد على أنه «يجب أن تبقى هذه الاتفاقية وجميع المعلومات والبيانات والتحليلات والتفسيرات والنتائج التي يتم جمعها سرية ولا يجوز إفشاؤها إلى أي شخص ثالث».
ومن البديهي أن هذه السرية كما أن صياغة بعض بنود مسودة الاتفاقيات المقترحة هي أفضل حافز للرشاوى، حتى إذا سلمنا جدلاً أن أصحاب القرار في هذا الموضوع هم أولاد عم الملاك جبريل. خاصة أن هندسة آلية أخذ القرار من الألف إلى الياء تتم، وفق التشريع الحالي، ضمن حلقة مغلقة لا رقيب عليها تدور بين هيئة البترول ووزير الطاقة.
وإن كان من المؤسف أن يحتل لبنان مرتبة مخجلة في السلم العالمي لقياس تفشي الفساد، فمن غير الصحيح كما يدعي البعض أن كل مؤسسة حكومية لبنانية محكوم عليها الغوص في مستنقع الرشاوى. هذه آفة يمكن تجنبها إن أمّنت بعض الشروط الأساسية، أهمها حسن الإدارة والشفافية ومحاسبة المسؤولين. ومن أفضل الأمثلة على ذلك البنك المركزي وشركة طيران الشرق الأوسط. فالأول معروف ومعترف له محلياً ودولياً بمستوى مرتفع من الكفاءة وحسن الإدارة. أما شركة طيران الشرق الأوسط التي واجهت الخسائر والمصاعب إبان سنوات الحرب السوداء، فقد تمكنت من العودة منذ بضع سنوات إلى سابق عهدها بالنجاح والربحية ورفع اسم لبنان عالياً في سماء الطيران المدني.
وفي طليعة الشروط الأساسية لتحقيق نفس النتائج في قطاع البترول والغاز الشفافية وإلزام الشركات الأجنبية بتسجيل فروعها في لبنان كشركات مساهمة لبنانية يمكن تداول قسم من أسهمها في بورصة بيروت، شأنها في ذلك شأن شركة البترول اللبنانية التي لا بد من الإسراع في تأسيسها.
أخيراً لا يحتاج المرء للكثير من التفسيرات والبراهين كي يدرك أن الشفافية درع في غاية الفعالية للحماية ضد الفساد وشتى أنواع الانحرافات. هذا كله خاصة في بلد كلبنان يمتاز لحسن الحظ بحرية الرأي وحرية وسائل الإعلام وبشريحة واسعة من النخب والمثقفين ذوي الكفاءات اللازمة لوضع سياسة البترول على مسارها الصحيح، والوقوف في وجه من يحاول التلاعب بمقدرات وآمال اللبنانيين.