عادل قسطل
France 24
سيدي بوزيد مدينة تشبه في تركيبتها الاجتماعية وشكلها الجغرافي مدنا أخرى من المنطقة العربية. ظاهريا، لا شيء يميزها عن غيرها من تلك المدن التي انتظرت طويلا دورها في طابور التحضر وملت من الانتظار. محمد بوعزيزي احترق بنار الغضب وترك وراءه بركانا لم يخمد. أمثاله كثيرون. لم يحرقوا أجسادهم ولكنهم لا يخافون من مواجهة الاحتقار والغطرسة بصدور عارية. لا يريدون من قنواتنا الفضائية أن تقدم عنهم صورة الأبطال الثائرين على أنظمة طاغية. يريدون ما تريده كل شعوب العالم: حرية وعيش كريم. لم يهدأ غضبهم ويرفضون أن يتلاعب السياسيون بعقولهم ولو كان ذلك باسم الثورة. سيدي بوزيد مدينة واحدة فقط من مجموعة مدن في منطقة الوسط الغاضب التي تضم كذلك تالا، والقصرين وغيرها من تلك الأسماء التي نعرفها اليوم ولكن قد ننساها وننسى دورها. يرفض شبابها ذلك النسيان. فعلها الشباب التونسي وحقق ما عجز عن تحقيقه شباب بلدان كثيرة يتوارث سكانها الذل والإهانة أبا عن جد.
انتخابات المجلس التأسيسي هي أول اختبار للتجربة التونسية وللربيع العربي نفسه. يعي التونسيون ذلك جيدا، ولكن دورهم الريادي لم يدخل على أنفسهم شعورا بالغرور. السلوك الانتخابي التونسي خير دليل على انطلاق روح مواطنة حقيقية في هذا الجزء من المنطقة العربية. سيدي بوزيد الغاضبة قبلت قواعد اللعبة السياسية وتؤمن بالتغيير المسؤول. أما إن حدث تلاعب، فالشباب مستعد للخروج إلى الشوارع من جديد.
يعيش في هذه المنطقة الغاضبة فتيان يرفضون أن تنفرد سيدي بوزيد وحدها بسمعة المدينة الثائرة. يرفضون السياسة والسياسيين ولا يرون مخرجا من الغبن المفروض عليهم إلا بالانتظام في المجتمع المدني. رفض بعضهم العملية الانتخابية لأنهم لا يثقون في مرشحين يقولون إنهم يريدون مناصب ومصالح ليس إلا. ربما هم مخطئون في تحليلهم عندما لا يؤمنون بقيمة الصوت أو الانتخاب، ولكنهم لا يقبعون في منازلهم بلا حركة ولا يستسلمون للحلول الوهمية كالمخدرات. هم شبان عاديون يريدون عملا يكسبهم مالا ويبحثون عن الحب ومتعة الحياة. بإيجاز، يريدون العيش كشبان العالم في أمريكا، والهند والبرازيل.
قبل عقود، خرج من رحم تونس شاب غادر الحياة قبل أن يصل إلى سن الكهولة. إسمه أبو القاسم الشابي وكان شاعرا. قال ذات يوم: إذا الشعب يوما أراد الحياة. فلا بد أن يستجيب القدر. ربما لو عاش إلى اليوم، لكتب قصيدة عن الحبر الذي غطس فيه الناخب التونسي أصبعه. أطربونا يا شعراء تونس.