عن "الاجتماع الذي لم يعقد" بين الأسد ونصر الله

محمد مشموشي

المستقبل

أيا تكن الحقيقة في ما نشر، ثم نفي، عن الاجتماع بين الرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصرالله، فالمؤكد أن تنسيقا كاملا يتم بين سوريا و"حزب الله" حول ما يجري في لبنان في الفترة الحالية، فضلا عما جرى فيه سابقا. ولا يتعلق الأمر هنا فقط بالمحكمة الدولية، ولا بالوضع الحكومي لجهة تمسك الطرفين ببقاء الحكومة الحالية، بل أيضا بكل ما يتعلق بلبنان سياسيا وأمنيا وماليا واقتصاديا في ظل ما تشهده المنطقة، وسوريا تحديدا، من تطورات مفتوحة على العديد من الاحتمالات.
وفي المسألة جانبان اثنان لا يخفيان على أحد: أولهما، أن طبيعة ما يحدث جعلت مما وصف ب"التحالف الاستراتيجي" بين سوريا والحزب أولوية الأولويات بالنسبة لكل منهما، وثانيهما أن مشكلات لبنان الراهنة، سواء منها ما يتصل بأمنه أو سياساته أو شؤون ناسه الحياتية، هي رهن الاتفاق (أو عدم الاتفاق؟!) بين طرفين لا يتحملان مسؤولية قانونية ودستورية عما يحل بلبنان نتيجة ذلك. وعمليا، فكلا الأمرين يلحق أضرارا حتمية بحاضر هذا البلد فضلا عن مستقبله القريب والبعيد.
مع ذلك، فقد يكون صحيحا أن حرص سوريا و"حزب الله" على الحكومة لا يقل عن حرص رئيسها، وأن بقاءها أو عدمه يعتمد شكلا (أو أقله وفق الدستور) على قرار بهذا الشأن يتخذه رئيس الحكومة، أو الأكثرية التي سمته للمنصب ثم اشتركت معه في الحكومة، لكن ما نسب الى اجتماع الطرفين وكانا قد تحدثا به علنا في السابق أنهما هما اللذان يقرران مستقبل هذه الحكومة في نهاية الأمر.
ألا يؤكد ذلك واقع أن الحكومة الحالية هي حكومة سوريا و"حزب الله"...هذا الواقع الذي نفاه الطرفان بشدة لدى تشكيلها، والذي سينفيانه مجددا في حال بقيت الحكومة لفترة من الزمن، أو في حال استقالت نتيجة المأزق الكبير الذي تقع فيه الآن: مأزق تمويل المحكمة الدولية؟.
أيا يكن، فقد حدد السيد حسن، في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، مأزق الحكومة بأدق العبارات وأوضحها عندما قال انه لن يقبل اطلاقا تمويل المحكمة، بأية صيغة من الصيغ التي يجري التداول بشأنها، وأنه يريد في الوقت ذاته أن تبقى الحكومة "لتحقيق انجازات أخرى تضاف الى ما حققته حتى الآن". ولدى سؤاله عما اذا كان رئيس الحكومة يمكن أن يقبل بمثل هذه المفارقة(عدم التمويل، وعدم الاستقالة معا)، قال انه لم يبحث هذا الأمر معه بعد... علما بأن رئيس الحكومة، كما قال، يعرف موقف الحزب من المحكمة ومن تمويلها منذ اللحظة الأولى للاتفاق معه على تشكيلها.
"فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم"، هذا ما قاله الشاعر العربي قديما، وهو ما يظهر جليا أنه حال اللبنانيين الآن مع حكومتهم، بل مع من شكل لهم هذه الحكومة ويريد لها أن تبقى، بقدر ما يريد لهم أن يقبلوا بها ويمحضوها تأييدهم بالرغم من كل شيء.
في الانتظار، يقال أن الشهرين المقبلين سيكونان حاسمين بالنسبة لمصير الحكومة، ليس في ما يتعلق بتمويل المحكمة وانعكاس ذلك عليها داخليا فحسب، وانما أيضا في ما يتعلق بالعديد من الملفات الأخرى التي ترتفع في وجهها، سياسيا واقتصاديا وأمنيا وماليا وحياتيا، في ظل ما تشهده المنطقة وسوريا بالذات من تحديات ترقى الى مستوى كونها مصيرية بكل ما تعنيه هذه الكلمة.
وبغض النظر عن اعتبار لبنان دولة فاشلة، أو مارقة في حال فشله في تسديد مساهمته في تمويل المحكمة التي أنشئت من أجله، فلا تشير الأوضاع الاقتصادية الضاغطة التي تعيشها مختلف طبقاته الاجتماعية الا الى أن الغد سيكون بالغ الصعوبة. ولعل الأرقام الواردة في الموازنة، وما فيها من اشارات الى ازدياد العجز وفرض المزيد من الضرائب (على القيمة المضافة، وعلى غيرها) سوى جرس الانذار بما ستؤول اليه أوضاع الغالبية العظمى من اللبنانيين في المرحلة المقبلة.
واذا ما كانت الطريقة التي عالجت بها الحكومة مسألة زيادة الأجور في الفترة الأخيرة دليلا على كيفية نظرها الى الأمور، وأسلوبها في تدوير الزوايا بين "طموحات" عدد من الوزراء (الشعبوية والانتخابية قبل كل شيء) فلا يبشر ذلك بأي خير على الاطلاق.
كذلك فان نظرة سريعة الى تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول انتهاك جنود سوريين للسيادة اللبنانية في الشمال والبقاع بما يتناقض مع قرار مجلس الأمن الرقم 1552، والى رد المندوب السوري الى الأمم المتحدة القائل بأن جنديا سوريا واحدا لم يدخل أراضي لبنان في الأسابيع الماضية، تكفي لابلاغ المنظمة الدولية بأن لا حكومة قائمة عمليا الآن في لبنان... بعد أن تحدثت أطراف رسمية فيها عن اتصالات أجرتها مع الجانب السوري لمنع تكرار توغل قواته داخل الأراضي اللبنانية.
ثم ماذا عن عمليات الخطف الدورية للمواطنين السوريين المتواجدين داخل لبنان، في وضح النهار تارة وتحت جنح الظلام تارة أخرى؟، وماذا عن المتهمين الأربعة الذين تقول الأجهزة الأمنية والقضائية أنها تبحث عنهم منذ شهور ولا تجد لهم أثرا؟، بل وماذا عن المهزلة التي دارت فصولها في لجنة حقوق الانسان النيابية ولم تجد لها صدى لا من الحكومة بشكل عام ولا من وزير العدل بصورة خاصة؟.

تستطيع الحكومة، كما هو واقع حالها الآن، أن تهرب الى المقولة التاريخية "لم رأينا...لم سمعنا... لم تكلمنا" لأسبوع أو لشهر أو لاثنين، لكن السؤال يبقى: الى متى؟ وماذا ستفعل هذه الحكومة بعد ذلك؟.
لعل الاجتماع الذي لم يعقد، كما قيل، بين الرئيس بشار الأسد والسيد حسن نصرالله يقدم للحكومة الجواب الذي تبحث عنه.