ربيع وليد جنبلاط، وربيع لبنان المتجدّد

نصير الأسعد

الجمهورية

كان واضحا تماما أنّ رئيس "الحزب التقدّمي الإشتراكيّ" وليد جنبلاط تجنّب عن قصد مخاطبة الجمعيّة العموميّة لحزبه أمس بـ"التفاصيل اللبنانية". ولم يعتبر نفسه معنيّا بالحديث عن قضايا داخلية آنيّة، أو عن تحالفات ظرفية، أو عن علاقات سياسية في لحظة راهنة.

فقد أحسن وليد جنبلاط بالذهاب إلى المرحلة العربيّة الناشئة منذ شهور... إلى الجديد الذي ستكون المنطقة العربية عليه في أمد منظور. وهو اختار هذه المنهجيّة سبيلا إلى قراءة ما ينبغي أن يكونه موقع لبنان حيال الجديد العربيّ، مُحدّداً بذلك موقعه هو بإزاء المرحلة العربيّة - اللبنانيّة الجديدة المفترضة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ أيّ اختصار لخطاب جنبلاط في الأمس يُفضي إلى نتيجة سياسية محدّدة.

فقد قال جنبلاط فعليّا إنّ كلّ ما كان قائما قبل الربيع العربيّ - والربيع السوريّ على نحو خاص - أصبح من الماضي.

وقالَ فعليّا - أي عمليّا - أيضا إنّ كلّ ما هو خارج الربيع العربيّ ومساراته والتحوّلات التي يفرزها، إنّما هو من الماضي الغابر.

واهمّ ما قاله وليد جنبلاط إنّ عودة لبنان إلى ربيعه شرط لا بدّ منه لانتساب لبنان إلى المرحلة الجديدة. وجملة أساسية في هذا السياق، كانت تذكيره بدوره وبدور حزبه في "ثورة 14 آذار الاستقلاليّة".

فخلاصة ما قاله جنبلاط إذاً، هي: ضرورة عودة لبنان إلى ربيعه، وعودة جنبلاط نفسه إلى ربيع لبنان.

وكلّ المقاطع الأخرى في خطاب رئيس "التقدميّ" تهدفُ إلى المعنى السالف ذكره. فلبنان الذي يريدُه سيّدا، هو لبنان الذي لا ينتهك النظامُ السوريّ حدوده. ولبنان الذي يريدُه مستقلا، هو لبنان الذي لا تستبيحُه المخابرات السوريّة. ولبنان الذي يريدُه حرّا، هو لبنان الذي يحمي اللاجئين إليه والذي لا يلاحقُ فيه مناضلو الحريّة. وهكذا لبنان سيّدا مستقلّا حرّا، هو لبنان التعدّد والديموقراطيّة (الانتحابات لا الانقلابات)، هو الجمهورية الدستورية لا الدولة الأمنية، هو الدولةُ السيّدة لا الدويلات الموازية... ولبنان العيش المشترك (تذكيره بمصالحة الجبل مع البطريرك نصر الله بطرس صفير).

وعندما يقولُ جنبلاط إنّ كلّ ما هو ما قبلَ الربيع العربيّ مرفوض، فهو بَداهةً يرفض إعادة لبنان إلى ما قبل ربيعه في العام 2005.

قبلَ أسبوع من الجمعيّة العموميّة لـ"الإشتراكيّ"، انعقد مؤتمر مسيحيّ بدعوة من "لقاء سيّدة الجبل"، وانتهى هذا المؤتمر إلى تأكيد دور المسيحيين - وسائر اللبنانيين - في الربيع العربيّ، وإلى التشديد على إعادة الاعتبار لربيع لبنان "الذي مثّل الإشارة الأولى إلى ربيع العرب"، والتنويه بالشراكة المسيحيّة - الإسلاميّة... معتبرا أنّ ما واجهه ربيع لبنان من "ثورة مضادّة" خلال السنوات الخمس الماضية، باتَ - مع الربيع العربيّ - من الماضي.

من جهته، كانَ رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري منذ بضعة أسابيع، يلخّص موقفه بجملة واحدة "إنّ الربيع العربي - والسوريّ في المقدّمة - هو خيارُنا"، موضحا "إنّنا لا نراهن على متغيّرات، بل لنا دورٌ في صنع المتغيّرات".

بينَ ما قاله وليد جنبلاط أمس، وما خرجَ به مؤتمر "لقاء سيّدة الجبل" قبلَ أسبوع، وما جهرَ به الرئيس الحريري منذ فترة، ثمّة ما هو أكثر من تقاطع... ثمّة أوان مُستطرقة تعيد رسم صورة ربيع لبنان وخارطته.

هذه المواقف - الرؤى أو المواقف "الاستراتيجيّة"، تتشارك في قرع أجراس العودة إلى ربيع لبنان من أجل عودة لبنان إلى الخارطة العربيّة.

إنّها مواقف نابعة من "شعور" عام بذلك من جهة، ومن قناعة بأن لا مفرّ من "استئناف" الربيع اللبنانيّ من جهة أخرى.

ليس السؤال، إذاً، أين تموضَع وليد جنبلاط حكوميّا أو نيابيا ؟ فهذا سؤال سطحيّ... لأنّ وليد جنبلاط أصبحَ في المرحلة المستقبليّة، في "ما بعد" اليوم وغداً... في الشهور المقبلة.

وفي الخاطر كلمة أخيرة. فإذ أعلن جنبلاط أنّ ترشّحه أمس لرئاسة الحزب سيكون آخر ترشّح له، فإنّه يضخّ الأمل في معظم اللبنانيين بأنّ موعد الانتخاب الحزبي التالي سيكونُ في "موسم" لبناني - عربي مختلف، يمكّنه من أن يسمح لنفسه بعدم الترشّح.

إنّه ربيع لبنان المتجدّد... على رغم التوقيت الشتوي!