روزانا بومنصف
النهار
فاجأت القرارات التي اتخذها مجلس وزراء الخارجية العرب في حق النظام السوري لجهة اعطائه مهلة 4 ايام قبل تعليق عضويته في الجامعة وتلويحه بالاعتراف بالمجلس الوطني السوري واجراءات اخرى لبنان الرسمي كما الافرقاء من حلفاء النظام السوري في لبنان الذين ادلوا خلال الاسبوع المنصرم بمواقف علنية تؤكد تمسكهم بالنظام والدفاع عنه وتندد بمواقف من يرى غير ما يراه هؤلاء واربكت هؤلاء الى درجة كبيرة . فلم تتوافر للحكومة التغطية التي تأمنت للبنان في مجلس الامن الدولي عبر الفيتو الروسي والصيني بما يوفر عليه عناء اقحام نفسه في موقع صعب و يجعله لا يظهر خارج الاجماع الدولي واضطر في موقفه من اي اجراءات تتخذ ضد النظام تتوافر في الجامعة العربية الى ان يكشف موقعه تكرارا بالوقوف الى جانب النظام . في حين ان الحلفاء اسقط في يدهم بعد موقف الدول العربية للضغط على النظام فيما لم يكن يتوقع هؤلاء ان " يتجرأ " اعضاء الجامعة على اتخاذ قرارات من هذا النوع على اساس ان نموذج ليبيا لن يتكرر وسوريا تسيطر على جزء لا بأس به من القرار العربي ولها اصدقاء بين الدول العربية على رغم انه كان ينبغي توقع ذلك بعدما اصبحت سوريا موضوعا على طاولة اعمال الجامعة وليست عضوا فاعلا يجلس الى الطاولة.
هذه التطورات تبدو متعددة الانعكاسات .فالاجراءات التي اتخذها وزراء الخارجية العرب تفيد بان الامور بدأت تأخذ منحى مختلفا عن رؤية حلفاء النظام في لبنان وتصوراتهم المعلنة على الاقل وان مرحلة السماح والفرص المفتوحة قد ولت في مقابل انطلاق دينامية مختلفة. والتبريرات التي قدمها المسؤولون الرسميون عن خروج لبنان عن الاجماع العربي عبرت عن ارتباك كبير علما ان جميع المسؤولين كما كل الافرقاء بمن فيهم حلفاء النظام بات لديهم المعلومات الكافية عن عدم امكان عودة الامور الى الوراء في سوريا وحتى عدم قدرة الرئيس السوري بشار الاسد على الاستمرار على رغم مواقفهم المعلنة الداعمة له . والموقف الذي اعتمدته الحكومة اللبنانية صعب كونه يستعيد ما حصل في مجلس الامن حيث ضغط النظام السوري على لبنان من اجل التصويت الى جانبه لولا تدخل موسكو لدى النظام من اجل إعفاء لبنان من الاحراج لان الفيتو الروسي يعتبر كافيا. وهذه الصعوبة تتمثل في كونها تضع لبنان خارج الاجماع العربي الى جانب اليمن الذي يواجه رئيسه وضعا مماثلا لوضع الرئيس السوري علما ان كثرا يرون ان التصويت اللبناني الرسمي ضد القرارات في مجلس وزراء الخارجية العرب لم يكن ليثير ردود فعل داخلية سلبية لولا ان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ما فتىء يعلن في كل مناسبة وخصوصا خلال لقاءاته مع مسؤولين في الخارج ان حكومته تنأى بنفسها عن التطورات السورية وتقف على الحياد فيما يظهر اداء وزير الخارجية عدنان منصور انفصاله عن السياسة التي يعلنها ميقاتي وتنفيذه سياسة خارجية خاصة بالطرف الذي يمثله في الحكومة اقله وفق ما هو ظاهر. اذ ان بعض العواصم المؤثرة كانت تثني على الرئيس ميقاتي في تمييز موقفه من النظام السوري واعلانه محاولة النأي بلبنان وبموقفه الرسمي عما يحصل في سوريا او عن دعم النظام في حين تحمل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان تبعة دعم النظام السوري الى درجة انعكاس ذلك على طبيعة اللقاءات التي عقدها الرئيس سليمان في نيويورك على ذمة هؤلاء وحتى على تقويم هذه العواصم لاداء رئيس الجمهورية في الاضطلاع بالدور الذي يقع على عاتقه علما ان العلاقة مع النظام ليست وحدها الحاسمة في هذا الاطار بل عدم النجاح في رأي هؤلاء في ادارة متوازنة للوضع الداخلي وادارة الحوار، الامر الذي قد يؤثر على ما تبقى من ولاية رئيس الجمهورية لجهة علاقاته مع الخارج في حال طال امد الازمة السورية وعدم الوصول الى مخرج في شأنها .
في اي حال فان تناقض الموقف المعلن لرئيس الحكومة مع اداء وزارة الخارجية اكان اداء الوزارة منفصلا او متفقا عليه من ضمن الحكومة باعتبار ان اي خروج لوزير الخارجية عن قرار متفق عليه من شأنه ان يطرح مصير الحكومة والتحالفات فيها على نحو جدي، يوفر للداخل على الاقل فرصة انتقاد الموقف اللبناني في اجتماع وزراء الخارجية العرب كما يظهر الحكومة حكومتين او ان قرار رئيس الحكومة لا يلزم بقية الافرقاء. وعلى رغم احتمال تفهم عدد من الدول العربية لموقف لبنان ومدى النفوذ السوري، فان الامر مربك بالنسبة الى الحكومة اللبنانية يضاف الى الارباك الذي تواجهه في موضوع تمويل المحكمة الدولية. اذ ان موقف الامين العام لـ" حزب الله" السيد حسن نصرالله المتكرر يحشر الرئيس سليمان والرئيس ميقاتي على حد سواء برفضه تمويل المحكمة واحالته الموضوع على التصويت في مجلس النواب. اذ انه اتى بعدما كرر ميقاتي التزاماته في لندن اخيرا على نحو لا يزال يوفر للحكومة التي يرأس ويشكل فيها الحزب مع حلفائه من قوى 8 اذار الاكثرية الشرعية امام الخارج. مما يطرح بجدية مدى قدرة التآلف الحكومي على الصمود في ضوء هذه التناقضات من جهة ويرسم علامات استفهام كبيرة حول تداعيات اضافية يتأثر بها لبنان في ضوء رد فعل النظام السوري على سحب شرعيته العربية بعد نزع شرعيته الدولية .