ساطع نور الدين
السفير
لا يمكن أن تبنى الوطنية اللبنانية على كرة القدم، او بالتحديد على فوز مؤثر في احدى مبارياتها الدولية المهمة. يمكن أن يوفر هذا الفوز لحظة فرح خاطفة، ويقدم لمحة عما يمكن للبنان أن يعد أبناءه به ويحثهم عليه.
الشعور الوطني موجود، هذا أمر لا شك فيه ولم يتم افتعاله خلال المباراة مع كوريا الجنوبية، او بعدها. جرى اختباره فقط، وكان الرأي العام اللبناني جاهزاً للتعبير عنه، تواقاً لدفعه الى الحدود القصوى على غرار ما تفعل شعوب اخرى عندما تحقق إنجازات رياضية باهرة.
عبرت الأوساط الشعبية عن فرحة عارمة بالفوز أكثر مما عبرت النخب التي احتفظت بترددها واسئلتها حول ما يمكن ان يعنيه هذا النصر على المستوى الوطني، وحول كيفية استثماره في إرساء أسس طبيعية للاجتماع اللبناني الذي كانت الرياضة على أنواعها لا سيما الألعاب الأكثر جماهيرية إحدى فضائحه الابرز، لأن مبارياتها كانت ولا تزال تمثل سيراً متواصلاً على حافة الحرب الاهلية، وشرارة يمكن ان تشعلها في اي لحظة وفي اي ملعب يتبارى فيه فريقان محليان، وهو ما فرض على السلطات السياسية والأمنية والرياضية تحريم الملاعب على الجمهور، وتعطيل الوظيفة الأهم لذلك النشاط الانساني المتقدم.
كانت الفرحة صادقة وجارفة الى حد أن أجيالاً جديدة من الشبان اللبنانيين ستزحف من الآن فصاعداً على الملاعب لتجد أبوابها مقفلة، وستبحث عن الكرة والزي لتجد انه لا مكان شرعياً لهما لا في الجغرافيا ولا في السياسة، لانهما مجرد مغامرة تحفزها الحماسة الشخصية لعدد من اللاعبين والإداريين ذوي الدوافع الذاتية المثيرة للتقدير.
البحث عن الهوية الطائفية او المذهبية للنصر "الوطني" الذي تحقق، لن يتوقف. الأرجح انه زاد في الساعات القليلة الماضية أكثر من أي وقت مضى.
ومعرفة انتماءات اللاعبين والفريق الإداري والاتحاد ورئيسه يمكن ان يدخل النتيجة في النفق المظلم اياه الذي يحرم لبنان من فرصة التأهل لكي يصبح بلداً طبيعياً.
سبق للبنان أن أهدر الكثير من الفرص للبناء على انجازات وطنية باهرة، وسبق للبنانيين ان اختلفوا على تعريف تلك الإنجازات. لن يكون مصير الفوز على كوريا الجنوبية افضل، على الرغم من انه يسهل إهداؤه الى الإجماع اللبناني الذي لا يظهر الا نادراً..
لا مكان للانتصارات الوطنية في القاموس اللبناني، رياضية كانت ام غير رياضية. النصر هو دائماً نتاج جهد فريق واحد، يكافح في صنعه وحمايته ثم يتورط في اضاعته وتبديده، وتحويله الى مادة للصراع الداخلي في مختلف الساحات والملاعب.
كرة القدم وشعبيتها التي تعبر حدود القارات والدول، تقدم عالماً واقعياً أهم وأقوى وأغنى مما تقدمه الجغرافيا السياسية اللبنانية. هي كفيلة بان توفر للبنان مخرجاً من معظم ازماته. مجرد وضعه تحت عناية او رعاية الاتحاد الدولي للعبة يمكن ان يجعل منه جنة خضراء، ويطرد شر الحرب من رؤوس ابنائه.
فكرة وهمية، تستدعيها اللحظة التاريخية التي انتجت إجماعا وطنيا نادرا لن يصمد حتى موعد المباراة المقبلة بين فريقين محليين يغيب عنها الجمهور، لاسباب لا يمكن إنكارها او التساهل معها، حتى ولو بلغ لبنان نهائيات كأس العالم.