رسالة الجنرال أسارتا: الغابة قبل الشجرة

رفيق خوري

الأنوار

موسم القلق يتجاوز في أبعاده القراءات في الرسائل الصاروخية والارهابية عبر بريد الجنوب. وليس أخطر من أن تكون الاتهامات مبنية على خيوط أولية سوى أن تكون اتهامات سياسية من رئيس الديبلوماسية الفرنسية آلان جوبيه. فما يدعو الى التحسب والتفكير والتدبير أكثر من الرسائل المدوية هو الرسائل الهادئة، وفي طليعتها الرسالة التي بعث بها الجنرال ألبرتو أسارتا الى بيروت ونيويورك وسواهما. والمفاجأة ليست في مضمون الرسالة بل في أن قائد قوات اليونيفيل وجد نفسه مضطراً للانتقال بها من المجالس المغلقة الى العلن.

ذلك أن الجنرال أسارتا أراد تصويب القراءات لتشمل المشهد كله في الجنوب في إطار المشهد الإقليمي وما يحمله من احتمالات حرب واسعة يُراد منها تبديل الصورة في أحداث المنطقة والصراعات فيها وعليها. فهو توقف بالطبع أمام خطر العمليات الارهابية ضد اليونيفيل والعودة الى لعبة الصواريخ. لكنه لفت الأنظار الى ضرورة ألا يحجب التركيز على الشجرة رؤية الغابة. الشجرة هي بالطبع الصواريخ التي تنطلق من الجنوب والعبوات الناسفة التي تنفجر بالدوريات الدولية كلما وجد طرف ما حاجة لتوجيه رسالة. والغابة هي ما سماه وجود أسلحة ومسلحين عدائيين مستعدين لاستخدام هذه الأسلحة داخل منطقة عملياتنا جنوب الليطاني. ولم يتردد في التذكير بأن واحدا من أهم بنود القرار ١٧٠١ هو ضمان عدم وجود أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة، باستثناء ما يخص حكومة لبنان واليونيفيل في المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني.

والمعنى البسيط لذلك، على الرغم من جهودنا كما قال، وبصرف النظر عن الأسباب والمبررات، هو فشل السلطة السياسية والسلطات الأمنية وقوات اليونيفيل في تحقيق المهمة المطلوبة منها. وهو أيضا ان هذا الوضع، الى جانب الانتهاكات والسياسات الاسرائيلية، من الموانع التي تحول دون التطبيق الكامل للقرار ١٧٠١ ومن عوامل الاحراج للبنان حين يطالب الأمم المتحدة بتنفيذ القرار بكل مندرجاته. فضلا عما يشكّله الوضع من خطر، لا فقط على الانتقال من وقف الأعمال العدائية الى وقف النار الدائم بل أيضا في الاتجاه المعاكس، وهو الانتقال الى الحرب الاقليمية.

ومن الصعب الهرب من معنى آخر للإجماع الداخلي، قبل الخارجي، على الاستنكار والادانة لعمليات التفجير ضد اليونيفيل واطلاق الصواريخ على العدو الاسرائيلي في توقيت مشبوه. فهو تعبير عن مزاج عام يرفض الانزلاق الى حرب مدمّرة ويحرص على الحاجز الدولي الذي وظيفته ضمان الهدوء وسدّ الطريق على الاشتباك مع العدو. وليس ذلك أمراً قليل الدلالات على واقع يختلف عن الشعارات الكبيرة.