إستحوذ الطلب الروسي من لبنان بتحويل مسار رحلاته الجوية بسبب مناورات بحرية في البحر المتوسط بكل الاهتمام السياسي، فأضحت كل الملفات الأخرى، على أهميتها، ثانوية، نظراً للطابع المفاجئ للقرار، في ظل الخشية التي برزت في الساعات الأولى من أن يؤدي هذا الطلب إلى عزل لبنان عن العالم، لأنّ مسارات الرحلات الجوية التي يعتمدها لبنان محدودة بسبب الحرب السورية من جهة، والعداء مع إسرائيل من جهة أخرى، ولكن سرعان ما تبدّد الالتباس مع إعلان إدارة الطيران المدني اللبناني عن "سلوك مسار جوّي جديد بين لبنان وقبرص"، وإنشاء وزارة الأشغال "خليّة عمل طارئة لاتّخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استمرارية حركة الإقلاع والهبوط في المطار وفقاً لشروط السلامة العامة"، وتأكيد المدير العام للطيران المدني بالتكليف المهندس ابراهيم ابو عليوى أنّ "حركة مطار بيروت ستسير بشكل طبيعي وعادي". وإذا كان المسار التقني تَحدّد وتوضّح، إلا أنّ الالتباس الفعلي كان في الموقف الرسمي الذي لم يسارع إلى تطمين الشعب اللبناني، ولا إلى استدعاء السفير الروسي لاستيضاحه الخلفية الكامنة وراء طلب دولته.
وفي وقت علمت "الجمهورية" أنّه لم يكن هناك أيّ تعليق من السفارة الاميركية في بيروت على الطلب الروسي، أوضح السفير الروسي الكسندر زاسبكين للصحيفة أن لا معلومات لديه بشأن هذا الموضوع، وأنه فوجئ بالخبر، وقد اطّلعَ عليه عبر الانترنت، ولم يمرّ عبر السفارة الروسية في لبنان، واستغربَه بشدّة، فهو قرار غريب ويلفّه الغموض بشكل كامل. وأكد أنّه لم يتبلّغ رسمياً من الدوائر الروسية بهذا الطلب، مشيراً إلى أنّه سعى للحصول على إيضاحات بشأنه.
من جهته، أكّد مصدر عسكري رفيع لصحيفة "الجمهورية" أنّ "قيادة الجيش تبلّغت هذا الأمر من الحكومة اللبنانية، ولم يحصل أيّ تواصل أو اتّصال عسكري مباشر بين الجيش والقيادة العسكرية الروسية أو إعطاء علم بهذا الموضوع".
وأشار المصدر الى أنّ "العملية عبارةٌ عن مناورة بحرية روسية، ولم تتبلّغ قيادة الجيش نيّة موسكو القيام بعملية جوّية على حدود السلسلة الشرقية الفاصلة مع سوريا، أو توجيه ضربات لتنظيمَي "داعش" و"النصرة"، أو انطلاق الطائرات الحربية الروسية من حاملات الطائرات في البحر وخرق الأجواء اللبنانية لتنفيذ ضربات على الحدود أو داخل سوريا"، مؤكّداً أنّ "قبول إقفال الأجواء الجوّية أو عدمه يعود الى الحكومة اللبنانية".
بدوره، أوضح الأستاذ في القانون الدولي المحامي الدكتور أنطوان صفير لـ"الجمهورية" أنّ القانون الدولي يفرض التعامل بين الدول عبر وسائل محدّدة، إمّا دبلوماسية أو قضائية، وفي حال وجود اتفاقات عامة أو ثنائية فإنّ هذا التعامل يتم وفق القنوات التي تحددها هذه الاتفاقات، ورأى أنّ هذا الطلب إذا كان أتى الى السلطات عبر مطار بيروت فإنّنا نكون أمام تعاطٍ روسي رسمي مع مرفق عام لبناني بلا المرور بالقنوات المتعارف عليها، وهنا تبقى المفارقة بأنّ هذا الطلب يأتي في سياق أمني عسكري، وبالتالي فهو يتعلّق بالأمن القومي اللبناني ويوجب بأن يكون الجيش اللبناني على بَيّنة منه لدراسته والتنسيق مع الجانب العسكري الروسي.
وفيما أوضح أن لا سابقة من هذا النوع على الصعيد الدولي، رأى أنّ الدول تطلب إقفال موانئ أو مطارات في أزمنة الحرب، في حين أنّ لبنان لا يعيش حال حرب، وإنْ كان متأثّراً بالحرب الدائرة في سوريا، ولفتَ الى أنّ لبنان ليس ملزَماً قانوناً بإجابة طلب روسيا، لكنّ الواقع السياسي والعسكري والاعتبارات الأدبية، تفرض موافقتَه، إنّما يبقى عليه أن يوازن بين هذه الاعتبارات وبين سيادته.