السفير
منذ اتفاق الطائف والمسيحيون خائفون. خوف مبرر حينا وغير مبرر في احيان كثيرة. دخلوا وأدخلوا معهم البلد في دوامة من الشكوك المتبادلة والعيش على حافة التوتر وابتداع مصادر الخوف. لا يعفي ذلك الآخرين من المسؤولية. فـ«السنية السياسية» التي خرجت من قمقمها لا ترسل اشارات مريحة. وسلاح «الشيعية السياسية» لا يُطمئن. و«التقية» الدرزية تعيق نسج شبكات امان. لكن المسيحيين الذين لا يتوقفون عن المفاخرة بأنهم «أم الصبي» وأبوه، يضعون انفسهم في موقع الخائف والمتلقي من دون ان يقدموا اية مبادرة جريئة او رؤية جديدة او مقاربة مختلفة لمداواة شجون هذا البلد الكثيرة.
في اوساطهم من يردد ان الخوف لدى المسيحيين تحول الى حالة مرضية مزمنة. ترجموها احباطا غداة اتفاق الطائف. فانسحبوا من الحياة السياسية في مراهقة سياسية سجلوا فيها اعتراضهم على ما اعتبروه انتزاع صلاحيات رئيس الجمهورية التي ما استخدمها يوما.
راح الخوف المسيحي يتجذر ويأخذ تعبيرات لا تليق بمن ناضلوا تحت عناوين الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان. فعند الكلام عن تخفيض سن الاقتراع الى 18 سنة يرتفع الصوت المسيحي معترضا: سنخسر عدديا. وعند المطالبة بإقرار الحقوق المدنية للفلسطينيين يحضر بعبع التوطين في الخطاب المسيحي. وعند مناقشة قانون الانتخاب يجتمع المسيحيون على المطالبة بان تنتخب كل طائفة نوابها. وحتى الوظائف في الدولة، من الحاجب الى المدير العام، تتطوع عشرات الجهات والمؤسسات لتجعل منها قضية مصيرية. كذلك الامر في موضوع التملك العقاري والتخويف من الامتداد السني تارة والشيعي تارة اخرى.
لا يتغير الموقف كثيرا من «الربيع العربي». كان المسيحيون اللبنانيون سباقين الى التشكيك فيه واطلاق توصيفات، او اقله تساؤلات، عما اذا كان فعلا ربيعا للعرب ام انه «خريف الاصولية» و«شتاء الاسلاميين».
تتساوى في ذلك معظم الاحزاب والقيادات المسيحية. شخصيات قليلة تقارب الامور من منظار ارحب لكن تأثيرها يبقى محدودا. تتسلل المزايدات والخوف على «الجمهور» لتشد من عصب الخطاب المحلي والطائفي الضيق. يكاد الصراع يتحول بين القادر والاقدر على تحصيل حقوق الطائفة المهدورة.
دور الكنيسة هنا مفصلي. فهي تستطيع ترجيح كفة فريق على آخر. فماذا تفعل الكنيسة؟
يقول اسقف «ان الكنيسة تحاول اولا ان تجمع ابناءها على نظرة مشتركة للقضايا الجوهرية المطروحة. نحن لسنا خائفين بالمطلق. ننظر الى تطور الامور الداخلية والاقليمية ونطرح التساؤلات على ضوء ايماننا بهذا الوطن ودورنا فيه وشهادتنا في محيطنا الاوسع».
وعن الخوف الذي تحول سلوكا وخطابا مكررا عند المسيحيين يجيب «نحن اصحاب ايمان وبهذا المعنى لا نخاف خصوصا ان المسيح نفسه خاطبنا قائلا «لا تخافوا. انا معكم الى نهاية الدهر». ما تفعله الكنيسة هو التوقف عند معطيات محددة في زمانها ومكانها والتعليق عليها. سواء قانون الانتخاب او الربيع العربي او موضوع التوطين او تخفيض سن الاقتراع او غيره. مواقفنا لا تعكس خوفا بقدر ما تؤشر الى مكامن الخطأ ووجوب معالجتها. فنحن متأكدون مثلا ان احدا من اللبنانيين لا يريد التوطين. وان مقدمة الدستور واضحة لجهة رفض كل اشكال التقسيم او التوطين لكن هل نصمت ونحن نسمع كلاما يمرر من هنا او مخططا يحاك من هناك لجعل اللبنانيين يتقبلون الموضوع كقدر محتوم؟ بالطبع لا. موقفنا مبدئي وتكرارنا تذكيري».
وعما يُحكى عن محاولة بكركي حصر الاوراق المسيحية في يدها بعد جمعها الزعماء المسيحيين تحت سقفها وحصولها، بطريقة غير مباشرة، على تفويض للتفاوض، ينتفض الاسقف قائلا «من يروج لهذه الفكرة؟ ليست المرة الاولى التي يتم فيها طرح مثل هذا السؤال الذي يعني ان البطريرك يرغب في الاستئثار بأدوار السياسيين وحصرها به. اننا نعتبر هذا الكلام يندرج في الحملة على الكنيسة وراعيها. فالبطريرك والكنيسة لا يتدخلان في الشؤون السياسية المباشرة. وفي الوقت نفسه هما ليسا متفرجين. اي انهما يذكّران باصول العمل السياسي ويكرران المبادئ التي توافق عليها اللبنانييون سواء في ميثاق 1943 او في اتفاق الطائف. وهذه كلها خطوط عريضة مبدئية».
وعن دخول البطريرك في محاولات تقريب وجهات النظر بين السياسيين المسيحيين وتحديدا بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والعماد ميشال عون، يقول الاسقف «البطريرك يرى من واجبه السعي للتوفيق بين المسؤولين السياسيين المسيحيين ليقوموا بواجباتهم لما فيه ليس فقط خير المسيحيين انما خير الوطن عموما. وهذا الكلام يناقض السؤال عن محاولة البطريرك الاستئثار بالقرار المسيحي. نعم الكنيسة تطمح الى ان يتوافق السياسيون عموما لان من شأن ذلك ان ينعكس ايجابا على تسيير شؤون البلد وعلى حياة الناس. فاذا كان تعبيد الطرقات امام تلاقي المسؤولين وتوافقهم تهمة فالكنيسة لا تنكرها».
وحول دعم الفاتيكان للراعي لاعادة صياغة خطاب سياسي مسيحي جامع يتولى زمام قيادته في هذه المرحلة يصحح الأسقف ممتعضا: «الفاتيكان يدعم البطريرك ليعيد صياغة خطاب مسيحي جامع. خطاب غير سياسي انما يتضمن افضل ما في السياسة اي تحقيق المصالحة والخير العام عبر الشركة الحقيقية والمحبة المتجددة. وهذا ما دأب البطريرك على فعله منذ توليه المسؤولية».