النهار
يروي متصلون بالعاصمة السورية ان دمشق لا تتدخل في موضوع تأليف الحكومة على رغم الانطباع انها هي التي تمون على حلفائها في تسهيل هذه المهمة. ويقول هؤلاء ان جل ما ابلغته العاصمة السورية الى زوارها في الاسابيع الاخيرة هو ضرورة التفاهم مع "حزب الله" وعدم الاختلاف معه في حين أن الحزب احال المعنيين بتأليف الحكومة على رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون ومطالبه التعجيزية بما يطرح اسئلة عما اذا كانت هناك نية لتأليف الحكومة ام لا. ويقر هؤلاء بصعوبة اقتناع اللبنانيين بهذا الواقع وخصوصا ان الحزب تسلم النفوذ السوري بالنيابة عنها وبالاصالة عن نفسه بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في نيسان 2005 وان هذا النفوذ لم تستعده سوريا كليا على رغم كل الانطباعات المغايرة.
الا ان مصادر ديبلوماسية تعبر عن اقتناعها بأن جزءا كبيرا من هذا الواقع صحيح في ظل معطيات متوافرة لديها بان الحزب هو من رغب في اسقاط الحكومة برئاسة سعد الحريري وهو الذي اتخذ هذا القرار وطلب تغطيته من سوريا، وتاليا فان العقد التي تواجهها الحكومة تعود في غالبيتها الى مطالب العماد عون بالاصالة عن نفسه ايضا وبتغطية من "حزب الله" من دون نفي وجود مسؤولية او تغطية سورية ايضاً، باعتبار ان ذلك يؤمن مصالحها في لبنان عبر حلفائها. هذه المعطيات وان صح الكثير منها لا تلقى صدى ايجابياً على نحو كلي لدى افرقاء في الداخل كما لدى اوساط ديبلوماسية، اذ ان مشكلة الحكومة التي كانت ستكون بوجه ايراني سوري وتعبر عن انتصار هذا المحور، كما يعتبر المحور الخصم، تواجه ارتباكاً في ولادتها من الخارج بمقدار ما تشكله ايضا مطالب الافرقاء في قوى 8 آذار. فهناك في البدء ما يسمى "Freezing Effect" الذي اصاب "حزب الله" في ضوء ما تختبره سوريا على نحو مفاجىء، بحيث يستبعد أن ترى الحكومة النور في وقت قريب. اضف الى ذلك ان سوريا تواجه اشكالية في الدفع نحو كسر اي من حلفائها في قوى 8 آذار اكان العماد عون الذي يكتسب اهمية كبرى بالنسبة اليها في ضوء مواقفه منها ومن "حزب الله"، من منطلق انه وحده من يؤمن الشرعية السياسية للحزب في المرحلة الراهنة مما يساعده في جعل مواقفه اكثر صلابة في رفع سقف مطالبه في الحكومة المقبلة كون هذه الفرصة تاريخية بالنسبة اليه للاقتراب جدا من الامساك بمفاصل الحكم، فضلاً عن ترجيح زيادة الحاجة اليه في المرحلة المقبلة. ولا تقل حاجة السوريين الى المؤسسات الدستورية اللبنانية المتمثلة في رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلف نجيب ميقاتي عن الحاجة الى العماد عون ولعل الموقف اللبناني في مجلس الامن الذي ساهم في منع صدور بيان عن سوريا علما ان لبنان كان "الدينامو" لصدور قرار عن ليبيا في الظروف نفسها تقريبا بين البلدين.
ولذلك يرى اصحاب هذا الرأي انه قد يكون افضل لسوريا في هذه المرحلة ان تأخذ اللعبة الداخلية مداها من دون ان تدفع من رصيدها مع اي من الافرقاء الذين سيشكلون الحكومة المقبلة، لكن من دون اوهام حول امكان ان تتساهل في اتجاه الافساح في اعادة النظر او خلط اوراق في لبنان والاتجاه مثلا نحو حكومة تكنوقراط بل على العكس من ذلك. اذ ان التشدد الذي اظهره النظام السوري في وجه معارضيه يتوقع اظهاره في لبنان، ولو ان هناك دعوة الى الحوار في سوريا وفقاً لما اعلن. وفيما اكد الرئيس سليمان في افتتاح المبنى الجديد في اليسوعية الحاجة الى حوار عميق فان ايا من المعنيين يثق بأن ذلك قد يكون متاحاً في المدى المنظور. فاذا كان لبنان مرآة تنعكس فيها الحال السورية وفق ما فسر البعض الحلحلة التي حصلت في موضوع وزارة الداخلية في موازاة اشاعة الانطباع عشية "جمعة الحرائر" في سوريا بان الازمة هناك شارفت الانتهاء، فانه ليس متوقعاً الايحاء بالضعف او التراجع بل على العكس من ذلك. يضاف الى ذلك عنصر آخر يتمثل في معطيات تفيد أن الولايات المتحدة تتجه الى تصعيد ضغطها على سوريا في الايام المقبلة مما يخشى ان يعني ان التشدد الأميركي ستحاول دمشق ان تقابله بتشدد معاكس اي عدم تقديم اي هدايا مجانية وخصوصا في لبنان.
لكن المشكلة بالنسبة الى مصادر في الاكثرية ان الخلاصات تكمن في مجموعة امور لا يمكن اعتبارها ايجابية في مصلحة الاكثرية الجديدة من بينها:
ان الخلافات بين قوى هذه الاكثرية تفجرت على نحو لم يعد الحديث محصوراً في الصالونات المغلقة. فلا الحد الادنى من التواصل قائم بين رئيس الجمهورية ورئيس تكتل "التغيير والاصلاح" في حين ان التواصل هو في حده الادنى بين هذا الاخير والرئيس المكلف في ظل تحميل بعض الافرقاء علنا الرئيس سليمان والرئيس ميقاتي المسؤولية في حين ان جوهر الخلاف يكمن في مطالب بعض هؤلاء، ولا سيما مطالب العماد عون.
وقد اسفر انكفاء قوى 14 اذار وتحديدا رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري في الاسابيع القليلة الماضية مع تصاعد التطورات السورية وما تثيره من احتمالات على لبنان، وعلى رغم مآخذ كثر على ذلك، عن "تعرية" الاكثرية الجديدة التي افتقدت اهدافا تحملها مسؤولية التعطيل او العرقلة او اي أمر آخر من الامور التي دأبت على تحميلها اياها وهي في المعارضة. فانكشف تناقض افرقائها وعدم انسجامهم كما ضعف رهان البعض على امكان هذا الفريق ادارة البلد افضل من ادارته السابقة، وخصوصا ان الخلافات المفتوحة لن تستكين بعد تأليف الحكومة، متى او في حال تألفت، بل ستكون اكثر شدة، علماً ان ذلك يضع البلد في ازمة وليس الاكثرية الجديدة وحدها.
ان التعثر في تأليف الحكومة بالتزامن مع التطورات التي اندلعت في سوريا شكّل اثباتاً لم تقوَ قوى الاكثرية على دحضه، لعجزها عن الاضطلاع بمبادرة ذاتية لا ترتبط بالبوصلة السورية المحركة لها. وهو الامر الذي عاد عليها حتى الآن بنتائج سلبية على المستوى الداخلي، كما على مستوى المجتمع الدولي الذي بات يملك أكثر من قرينة على مخاوفه الاساسية من حكومة اللون الواحد.
وبات مجمل هذه العوامل يطرح تساؤلاً كبيراً إذا كانت الاكثرية تدرك حقيقة أن الحكومة غير قابلة لأن تشهد النور في الظروف الحالية، أقله وفق الصيغة المطروحة، وهي تحاول أن تمرر الوقت بافتعال العقبات لعجزها عن التأليف أو التراجع ايضاً.