ناتالي اقليموس
الجمهورية
تكبر الايام، تمضي السنوات، وتبقى ساحات الشرف مشتاقة إلى نعال أبطال وطؤوها مسطّرين بدمائهم أبهى الانتصارات، وتحنُّ السيوف إلى كفوف أيد إستلّتها من غمادها، فكيف بالحري لقلوب محبّي هؤلاء الشهداء في الجيش اللبناني؟ بين الدمعة والابتسامة، بين انتصار الوطن وانكسار القلب، فتحت مجموعة من عوائل الشهداء قلبها لـ"الجمهورية"، في مناسبة عيد الجيش، فتحدثوا عن عناق بقي حلماً، عن أقواص زينة منصوبة ذبلت ورودها من الانتظار فأزهرت نصراً وشرفاً وتضحية ووفاء على جبين الوطن.
عائلة مغيط
لا حاجة لأن تسمع كلمات نظام مغيط شقيق الشهيد إبراهيم مغيط الذي أسر واستشهد بعد معارك عرسال، يكفي أن تنظر في عينيه لتفهم "كأنّ الحادثة وقعت اليوم مش مبارحة"، فيقول وعيناه مغرورقتان بالدموع: "إقتربنا من مرور 4 سنوات على غياب أخي، ولكن كأنه استشهد بالأمس، فالوجع كبير، والشوق أكبر، نفتقده يومياً أنا وعائلته. في الوقت نفسه نشعر وكأنه موجود معنا، بيننا، لأنه زرع فينا الفخر والاعتزاز. لا شك في أنّ الغياب قاتل، وطويل، واللحظة الاولى من علمنا بالخبر كما هذه اللحظة، حرقة الغياب قاتلة ولا شيء يعوّض غيابه".
عائلة حرب
يصعب على من يزور عائلة المقدّم الشهيد داني حرب الاعتقاد لوهلة أنه ترك هذه الدنيا، عند رأس الشارع يستقبلك تمثال له ضخم فتشعر كأنه يحدق بك، وعند استقبال عائلته لك، تشعر كأنّ البيت برمّته ينبض بوجوده، فهناك صورة ضخمة عن يمين الباب وأخرى مزروعة في كل زاوية وعلى كل حائط، وخلف كل أيقونة دينية، وجَنب كل مزهرية أو شمعة مُضاءة. مختلف الشهادات، التنويهات، الترقيات، الأوسمة التي نالها داني معلّقة.
دقائق قبل استشهاده
من بين الامور التي تحتفظ بها إليانور، الدردشات عبر الواتس اب بينها وبين زوجها، وسرعان ما تخونها دموعها عرض خدّيها فتقول: "لا أزال محتفظة بكل الاحاديث التي دارت بيننا لا سيما في اللحظات الاخيرة من استشهاده، آخر ما أرسله لي "فويس" يحمل أصوات الرصاص، كأنه يطلب منّي عدم التعاطي معه ليركّز على المعركة. لذا، مَرّت ساعات بعدها من دون أن يحدثني إلى أن تبلّغتُ الفاجعة أنه استشهد. وعلمتُ لاحقاً، من رفاقه في السلاح انّ: "حرب كان عم بينِطّ من تَلّة لتَلّة". أما وصيّته الخاصة، فتقول: "لم يُفكر يوماً بنفسه، هاجسه الاكبر ألّا نعاني من أي نقص في غيابه. لذا، غالباً ما كان يخشى الرحيل أو الاستشهاد من دون أن يترك لولديه ما يتيح لهما إكمال علمهما والعيش بكرامة، وأغلى ما تركه لنا هو الافتخار به وبوطن يكبر بدماء شهداء جيشه الأبطال".
أبي بطل
رغم صغر سنّه، ما زال ريان الابن البكر للشهيد حرب (12 سنة)، يتذكر بعض التفاصيل: "إندلعت المعركة بالتزامن مع عيد الجيش، غاب أبي مطوّلاً عن السمع إلى أن غاب كلياً ولم يعد بوسعنا رؤيته. لذا، تعني لي المعركة الكثير، خسرت فيها أبي في الجسد ولكنني ربحته في السماء، أمي دائماً تقول: أبي يرانا من فوق". ويضيف: "رغم انه ليس بوسعي رؤية أبي كرفاقي الذين ينتظرون آبائهم ليعودوا من السفر، ولكن أشعر بأنه معي. منه تعلّمت الكثير عن المؤسسة العسكرية، ولطالما حلمت أن أصبح مثله".