احتكامٌ دائمٌ إلى الجيش في كل خلاف سياسي

في ظلّ تعذّر تأليف الحكومة وتفاقم الاحتقان الداخلي، وأخصّه شقّه المذهبي، لا أحد يتوقع أين تصيبه الصدمة. بإهدار مزيد من الوقت بلا إحداث خرق رئيسي في صلب الأزمة، وهي استعصاء تأليف سلطة إجرائية جديدة، تمسي ردود الفعل الأمنية خيارات وحيدة

فتح النزاع الأخير بين وزير الاتصالات شربل نحاس والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، وتبعاً لذلك رد فعل وزير الداخلية والبلديات زياد بارود على عدم الامتثال لأوامره بالاستقالة من داخل الاستقالة، الباب واسعاً على تداخل الخلاف السياسي بالتوتر الأمني الذي يصبح عندئذ منفذاً حتمياً.
بل تصوّر أزمة الخميس الماضي حدثاً متوقعاً في أي وقت، في ضوء تنامي تشنّج المواقف، وارتباط بعضها بمنحى مذهبي، وطرفاها المباشران، المعلنان حتى إشعار آخر، في واقعتين لم تفصل بينهما سوى ساعات قليلة قبل يومين، هما التيار الوطني الحرّ والفريق السنّي. ردّ مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني على الرئيس ميشال عون حيال كلام منسوب إلى الأخير نفاه مَن نسبه إليه أولاً، ثم نفاه عون بدوره وقال إنه وضعه في عهدة القضاء. إلا أن قباني، لدوافع تتصل باتخاذ موقف متصلّب يغطي من خلاله الشارع السنّي أكثر منه رد فعل على كلام ملتبس، أصرّ على تحميل عون هذا الموقف، وإن لم يكن قد قاله كما قال المفتي نفسه، لكنه يفترض أن عون يقوله. ثم كان الاشتباك بين نحاس والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الذي تصدّر عن فرع المعلومات في المديرية المواجهة.
أضف إلى هاتين الواقعتين، الأزمة المفتوحة بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وعون بإزاء تأليف الحكومة، وأصبحت تتخطى التأليف إلى تمحورها حول إشكالية نصفها دستوري ونصفها الآخر مذهبي: يؤلف ميقاتي حكومة عملاً بصلاحياته الدستورية، أم يُفرض عليه التأليف والانتقاص من تلك الصلاحيات تالياً؟ أما الجانب الآخر من الإشكالية نفسها، ونصفه غير دستوري فيما النصف الآخر مذهبي، فهو أن الجنرال يريد أن يسمّي بنفسه وزراء طائفته، شأن ما يفعل أقرانه زعماء طوائفهم.
أضف إلى هذا وذاك، الاشتباك الآخر المزمن بين التيار الوطني الحرّ وفرع المعلومات كجزء لا يتجزأ من نزاع آخر مفتوح بين رئيس تكتّل التغيير والإصلاح ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، كانت وزارة الداخلية، المحسوبة حقيبة مارونية منذ عام 2008، مسرحاً له من خلال الدور الاستثنائي الذي يضطلع به ريفي ورئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن.
كلاهما استمد هذا الدور، بصلاحيات استثنائية كذلك، في ظلّ حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة عامي 2005 و2008 ثم حكومة الحريري عام 2009، من غير أن يكتما انحيازهما إلى الحريري مرجِعاً لهما بصفته رئيساً لمجلس الوزراء، وبصفته كذلك زعيماً لتيّار المستقبل يدينان بالولاء له.
هكذا راكمت أسباب شتى لتدهور علاقة عون والتيار الوطني الحرّ بالشارع السنّي، ثم انتقلت عدواها إلى علاقته بميقاتي من غير أن يكون الرئيس المكلف، في ما مضى، جزءاً منها. تدرّج التدهور من الخلاف على تقويم مرحلة الرئيس رفيق الحريري وسياسته المالية إلى مواجهة نفوذ الحريري الابن بعد السنيورة، وصولاً إلى توجيه الاتهام إلى وزارة المال، ثم مطالبة عون بإدراجها في حصته في حكومة 2009.
من بيت الجنرال في الرابية، وهو المكان الذي أبصرت فيه النور، أسقطت حكومة الحريري، انتهاءً بالخلاف المحدث على وزارة الداخلية كان الحريري في منأى عنه، فأضحى ميقاتي بعد رئيس الجمهورية ميشال سليمان هدفاً له. عُني الرئيس المكلف بتفادي أي انتقام سياسي من ريفي يحمّله عبئاً مذهبياً في شارعه، وعُني سليمان بإبقاء الحقيبة في حصته بذريعة معلنة هي فك اشتباك الشارع السنّي، السياسي كما المذهبي، مع زعيم الغالبية المسيحية في قوى 8 آذار وزعيم الأكثرية من داخل الأكثرية.
لم يُحرّك حادث الخميس أي جهد في منحى تأليف الحكومة بين طرفيها المفاوضين، ولا أوحى أي منهما بتدارك آثار محتملة لما حدث في المسار المغلق الذي يحوط بالتأليف، فيما أعيد إلى الواجهة الاحتكام إلى الجيش للفصل في النزاع الناشب بين وزارة الاتصالات وقوى الأمن الداخلي، من غير أن يفضي احتكام كهذا، شأن كل خلاف سياسي داخلي، إلى المواجهة مع قوى الأمن، ولا مجاراة الجيش قراراً سياسياً بدور أمني يحتاج إلى غطاء أوسع نطاقاً، الأمر الذي لم تتوسّله قوى الأمن، الخميس، عندما آل التزامها ما وصفته بقرار إداري إلى أزمة جرجرت ذيولاً سياسية وأمنية في آن واحد.
منذ انفجر الخلاف، قرّر الجيش ألّا يكون طرفاً فيه عندما دُعي إلى هذا الدور. كان مسؤول بارز في المؤسسة العسكرية قد أبلغ إلى عون، في حمأة الجدل الدائر حول ما رافق النزاع على الشبكة الثالثة للاتصالات الخلوية، أن الجيش لا يسعه التدخّل من أجل أن يصطدم بجهاز أمني آخر. وهو في حال كهذه، يفضّل ألّا يتدخّل كي لا يؤول تدخّله إلى مشكلة أكثر خطورة.
كانت تلك إشارة إلى الحاجة إلى معالجة سياسية لمشكلة سياسية في أصلها، إلا أنها وجدت متنفسها الأمني تحت وطأة تفاقم الاحتقان السياسي والمذهبي في آن واحد، سواء في الشقّ المتعلق بالعلاقة المجمّدة بين ميقاتي وعون من جراء الخلاف على تأليف الحكومة، أو في الشقّ المتعلق بذيول التسوية التي رافقت التفاهم على حقيبة الداخلية، إلا أنها أبقت فتائلها مشتعلة: أين موقع ريفي والحسن في تسوية مصير الحقيبة؟احتكامٌ دائمٌ إلى الجيش في كل خلاف سياسي

نقولا ناصيف

)الأخبار)

في ظلّ تعذّر تأليف الحكومة وتفاقم الاحتقان الداخلي، وأخصّه شقّه المذهبي، لا أحد يتوقع أين تصيبه الصدمة. بإهدار مزيد من الوقت بلا إحداث خرق رئيسي في صلب الأزمة، وهي استعصاء تأليف سلطة إجرائية جديدة، تمسي ردود الفعل الأمنية خيارات وحيدة

فتح النزاع الأخير بين وزير الاتصالات شربل نحاس والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، وتبعاً لذلك رد فعل وزير الداخلية والبلديات زياد بارود على عدم الامتثال لأوامره بالاستقالة من داخل الاستقالة، الباب واسعاً على تداخل الخلاف السياسي بالتوتر الأمني الذي يصبح عندئذ منفذاً حتمياً.
بل تصوّر أزمة الخميس الماضي حدثاً متوقعاً في أي وقت، في ضوء تنامي تشنّج المواقف، وارتباط بعضها بمنحى مذهبي، وطرفاها المباشران، المعلنان حتى إشعار آخر، في واقعتين لم تفصل بينهما سوى ساعات قليلة قبل يومين، هما التيار الوطني الحرّ والفريق السنّي. ردّ مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني على الرئيس ميشال عون حيال كلام منسوب إلى الأخير نفاه مَن نسبه إليه أولاً، ثم نفاه عون بدوره وقال إنه وضعه في عهدة القضاء. إلا أن قباني، لدوافع تتصل باتخاذ موقف متصلّب يغطي من خلاله الشارع السنّي أكثر منه رد فعل على كلام ملتبس، أصرّ على تحميل عون هذا الموقف، وإن لم يكن قد قاله كما قال المفتي نفسه، لكنه يفترض أن عون يقوله. ثم كان الاشتباك بين نحاس والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الذي تصدّر عن فرع المعلومات في المديرية المواجهة.
أضف إلى هاتين الواقعتين، الأزمة المفتوحة بين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي وعون بإزاء تأليف الحكومة، وأصبحت تتخطى التأليف إلى تمحورها حول إشكالية نصفها دستوري ونصفها الآخر مذهبي: يؤلف ميقاتي حكومة عملاً بصلاحياته الدستورية، أم يُفرض عليه التأليف والانتقاص من تلك الصلاحيات تالياً؟ أما الجانب الآخر من الإشكالية نفسها، ونصفه غير دستوري فيما النصف الآخر مذهبي، فهو أن الجنرال يريد أن يسمّي بنفسه وزراء طائفته، شأن ما يفعل أقرانه زعماء طوائفهم.
أضف إلى هذا وذاك، الاشتباك الآخر المزمن بين التيار الوطني الحرّ وفرع المعلومات كجزء لا يتجزأ من نزاع آخر مفتوح بين رئيس تكتّل التغيير والإصلاح ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، كانت وزارة الداخلية، المحسوبة حقيبة مارونية منذ عام 2008، مسرحاً له من خلال الدور الاستثنائي الذي يضطلع به ريفي ورئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن.
كلاهما استمد هذا الدور، بصلاحيات استثنائية كذلك، في ظلّ حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة عامي 2005 و2008 ثم حكومة الحريري عام 2009، من غير أن يكتما انحيازهما إلى الحريري مرجِعاً لهما بصفته رئيساً لمجلس الوزراء، وبصفته كذلك زعيماً لتيّار المستقبل يدينان بالولاء له.
هكذا راكمت أسباب شتى لتدهور علاقة عون والتيار الوطني الحرّ بالشارع السنّي، ثم انتقلت عدواها إلى علاقته بميقاتي من غير أن يكون الرئيس المكلف، في ما مضى، جزءاً منها. تدرّج التدهور من الخلاف على تقويم مرحلة الرئيس رفيق الحريري وسياسته المالية إلى مواجهة نفوذ الحريري الابن بعد السنيورة، وصولاً إلى توجيه الاتهام إلى وزارة المال، ثم مطالبة عون بإدراجها في حصته في حكومة 2009.
من بيت الجنرال في الرابية، وهو المكان الذي أبصرت فيه النور، أسقطت حكومة الحريري، انتهاءً بالخلاف المحدث على وزارة الداخلية كان الحريري في منأى عنه، فأضحى ميقاتي بعد رئيس الجمهورية ميشال سليمان هدفاً له. عُني الرئيس المكلف بتفادي أي انتقام سياسي من ريفي يحمّله عبئاً مذهبياً في شارعه، وعُني سليمان بإبقاء الحقيبة في حصته بذريعة معلنة هي فك اشتباك الشارع السنّي، السياسي كما المذهبي، مع زعيم الغالبية المسيحية في قوى 8 آذار وزعيم الأكثرية من داخل الأكثرية.
لم يُحرّك حادث الخميس أي جهد في منحى تأليف الحكومة بين طرفيها المفاوضين، ولا أوحى أي منهما بتدارك آثار محتملة لما حدث في المسار المغلق الذي يحوط بالتأليف، فيما أعيد إلى الواجهة الاحتكام إلى الجيش للفصل في النزاع الناشب بين وزارة الاتصالات وقوى الأمن الداخلي، من غير أن يفضي احتكام كهذا، شأن كل خلاف سياسي داخلي، إلى المواجهة مع قوى الأمن، ولا مجاراة الجيش قراراً سياسياً بدور أمني يحتاج إلى غطاء أوسع نطاقاً، الأمر الذي لم تتوسّله قوى الأمن، الخميس، عندما آل التزامها ما وصفته بقرار إداري إلى أزمة جرجرت ذيولاً سياسية وأمنية في آن واحد.
منذ انفجر الخلاف، قرّر الجيش ألّا يكون طرفاً فيه عندما دُعي إلى هذا الدور. كان مسؤول بارز في المؤسسة العسكرية قد أبلغ إلى عون، في حمأة الجدل الدائر حول ما رافق النزاع على الشبكة الثالثة للاتصالات الخلوية، أن الجيش لا يسعه التدخّل من أجل أن يصطدم بجهاز أمني آخر. وهو في حال كهذه، يفضّل ألّا يتدخّل كي لا يؤول تدخّله إلى مشكلة أكثر خطورة.
كانت تلك إشارة إلى الحاجة إلى معالجة سياسية لمشكلة سياسية في أصلها، إلا أنها وجدت متنفسها الأمني تحت وطأة تفاقم الاحتقان السياسي والمذهبي في آن واحد، سواء في الشقّ المتعلق بالعلاقة المجمّدة بين ميقاتي وعون من جراء الخلاف على تأليف الحكومة، أو في الشقّ المتعلق بذيول التسوية التي رافقت التفاهم على حقيبة الداخلية، إلا أنها أبقت فتائلها مشتعلة: أين موقع ريفي والحسن في تسوية مصير الحقيبة؟