ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به الإمام الرضا أحد أصحابه في آخر جمعة من شهر شعبان، حين قال له: "يا أبا الصلت، إن شعبان قد مضى أكثره، وهذه آخر جمعة فيه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى، وعليك بالإقبال على ما يعنيك، وترك ما لا يعنيك، وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتب إلى الله من ذنوبك، ليقبل شهر الله عليك وأنت مخلص لله عز وجل.. ولا تدعن أمانة في عنقك إلا أديتها ولا في قلبك حقدا على مؤمن إلا نزعته، وأكثر من أن تقول فيما بقي من هذا الشهر: اللهم إن لم تكن قد غفرت لنا في ما مضى من شعبان، فاغفر لنا فيما بقي منه، فإن الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقابا من النار لحرمة شهر رمضان".
واضاف: "أيها الأحبة، لنغتنم هذه الأيام الباقية من هذا الشهر بالالتزام بكل ما دعانا إليه الإمام، حتى لا يفوتنا ما أودع في شهر شعبان من بركات، وحتى ندخل شهر رمضان دخول من صفت نفوسهم من التبعات مع الله ومع الناس، لنكون لائقين بضيافة الله في هذا الشهر، وأقوى وأقدر على مواجهة التحديات".
وتابع فضل الله: "البداية من لبنان، حيث لا يزال اللبنانيون يعيشون القلق على مستقبل أوضاعهم المعيشية مما يخبئه لهم النقاش الجاري داخل الحكومة حول موازنة العام 2019، بعد أن أصبح واضحا لديهم أن لا رؤية لديها بالخروج من العجز في الموازنة إلا بإجراءات التقشف التي ستطاول بالطبع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهم على قناعة أن هذا ليس السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة الاقتصادية، فهناك سبل أخرى بين يدي الحكومة، وإن كان التقشف هو السبيل الأسهل والأسرع لديها، ونحن أمام ذلك، نعيد التأكيد على كل القوى السياسية المتمثلة في الحكومة، أن تكون أكثر واقعية في مقاربتها لهذه الأزمة، فلا يصل المواطنون إلى حد اليأس، وما قد يؤدي إلى اليأس من اضطرابات وتداعيات اجتماعية، كما حصل في عدة مناطق، أو أن يكون ذلك سببا للمس بأمن هذا البلد واستقراره".
ودعا مجددا، وسنبقى ندعو، إلى البحث عن أساليب أخرى للعلاج، هي واضحة لديهم وبين أيديهم، بإيقاف مزاريب الهدر والفساد والتلزيمات في كل القطاعات والمؤسسات، وبإقناع المصارف بتحمل مسؤولياتها بعد أن سخرت الدولة لمصالحها، ولا تزال، وبالجباية السليمة للضرائب، وعدم إعفاء الشركات الكبرى والمصارف منها.
وطلب من المسؤولين جميعا أن يكونوا شفافين وصريحين في مواقفهم حيال كيفية معالجة العجز، وأن تكون كلماتهم في السر هي نفسها في العلن، وأن يكونوا صادقين في ادعائهم بأنهم يعملون لاسترداد حقوق الدولة وحفظ حقوق الناس وحفظ مصالح الوطن في هذه الموازنة، وأن لا سطو على الرواتب أو مد اليد إلى جيوب الطبقات المحرومة.
إننا نقول لكل القوى السياسية الحريصة على أمن هذا البلد وقوته، إن عليها أن تبذل كل جهودها لتثبيت هذه الأرض وتقويتها وتعزيزها أمام التحديات المقبلة التي تنتظر هذا البلد انعكاسا لما يجري في المنطقة، وهذا لا يتم إلا بإشعار الإنسان بإنسانيته، وأن تحفظ كرامته، وأن تلبى حاجاته ومتطلباته.
واضاف: "في المقابل، فإننا نريد لكل الذين يطالبون بحقوقهم، والذين يتظاهرون أو يتحركون في الشارع للتعبير عن آرائهم، أن يكونوا حضاريين في الأساليب التي يستخدمونها، وأن لا يسيئوا إلى مصالح الناس وحركتهم، من خلال قطع الطرقات الرئيسية، والذي بالطبع سيتسبب بأزمات سير تراكم مشاكل الناس، في وقت هم أحوج ما يكونون إلى من يخفف عنهم مشاكلهم، وأن يكونوا صوتا لهم لا عليهم".
وقال فضل الله: "وفي الموضوع الداخلي مسألة أحب الإشارة إليها، ونشهدها كل سنة، ولكن قد يكون وقعها أكبر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة هذه السنة، وهي تتمثل بارتفاع أسعار السلع التي تستهلك في شهر رمضان. وقد بدأنا نلمس ارتفاعا تصاعديا لبعضها، ونحن نأمل من التجار وأصحاب المسؤولية في هذا الشأن مراعاة وضع الناس في هذه الأيام الصعبة التي نحتاج فيها جميعا لتعزيز التكافل الاجتماعي، كما ندعو الدولة إلى أن تقوم بواجباتها في مراقبة الأسعار ومنع استغلال حاجة الناس والضغط عليهم أكثر".
وتابع: "وإلى المنطقة العربية والإسلامية التي تضج بالفتن والأحداث الدامية، حيث نأمل أن ينطلق صوت العقل لوقف عمليات القتل التي تطاول أكثر ما تطاول الأبرياء والمدنيين وحتى الأطفال. إننا نقول للجميع: إن لم تنصتوا إلى صوت العقل، فأنصتوا إلى صوت شهر رمضان، ليكون بحق شهر سلام، شهرا تسكت فيه المدافع، ويصمت فيه الرصاص، وتتوقف فيه الغارات، ويعيش فيه الجميع الإحساس بالمسؤولية تجاه الأرواح التي تزهق، وليكون السلام في رمضان باعثا للحوار والسلام والحلول والتسويات".
وختم قائلا: "إننا نريد للعرب والمسلمين أن يتحسسوا معنى المسؤولية الكبرى فيما ينتظرهم من تحديات، وفيما يخطط لهم من محاولات جادة لتأجيج نيران الحرب الداخلية في كل قطر عربي، وبين الأقطار العربية فيما بينها، بدلا من حالة التشرذم والتفكك التي تعصف بهم.. ونحن في هذا المجال، نتوقف عند نية الإدارة الأميركية إدخال "الإخوان المسلمين" على القائمة الأميركية الخاصة بالجماعات الإرهابية الأجنبية". إننا نرى أن هذا الاستهداف الذي يطاول الحركات الإسلامية التي تنطلق من الشعب، وتؤمن بتداول السلطة، يفاقم من الإرهاب بدلا من أن يحد منه، ويعزز مشاعر العداء للغرب".
واعلن، وبناء على المبنى الفقهي لسماحة السيد، الذي يأخذ بالحسابات الفلكية الدقيقة، أن بداية شهر رمضان المبارك هو يوم الإثنين المقبل، ونسأل الله أن يكون شهر خير وبركة ووحدة وأمن وسلام، وأن يعيده علينا ونحن في أحسن حال.