الحصول على الأصول الإيرانيّة: العقدة في آلية الإفراج والصراع بين أجنحة النظام
28 May 202608:44 AM
الحصول على الأصول الإيرانيّة: العقدة في آلية الإفراج والصراع بين أجنحة النظام
سعد شعنين

سعد شعنين

 

لم يعد الحديث عن الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج مجرد تسريبات إعلامية أو تمنيات سياسية، بل أصبح بنداً أساسياً على طاولة التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن الولايات المتحدة باتت منفتحة على مبدأ الإفراج الجزئي والتدريجي عن هذه الأموال، إلا أن العقدة الأساسية لم تعد في أصل القرار، بل في آلية حصول إيران على هذه الأصول وكيفية صرفها بعد الإفراج عنها، وسط تجاذب حاد بين أجنحة النظام الإيراني نفسه.

وتتحدث تقارير عن أن إيران تطالب بالإفراج عن نحو 24 مليار دولار كمرحلة أولى ضمن تفاهم أوسع يرتبط بوقف التصعيد وفتح مسار تفاوضي جديد، على أن يتم تحرير قسم من هذه الأموال فور تثبيت التفاهم السياسي. كما تشير المعلومات إلى أن جزءاً مهماً من هذه الأصول موجود في مصارف أجنبية وخصوصاً في قطر وبعض الدول الآسيوية التي احتجزت عائدات النفط الإيراني بفعل العقوبات الأميركية.
لكن خلف هذا المشهد المالي، تدور مواجهة سياسية داخلية بين أربعة أجنحة رئيسية تتحكم بالمشهد الإيراني، لكل منها مقاربة مختلفة لملف التفاوض والأموال المجمدة.
الجناح الأول هو جناح الحرس الثوري والأصوليين المتشددين، وهو الأقوى حالياً داخل بنية النظام. هذا التيار ينظر إلى المفاوضات مع واشنطن باعتبارها معركة أمن قومي لا مجرد تسوية مالية، ويخشى أن تتحول آلية الإفراج عن الأموال إلى وسيلة اختراق أميركية للداخل الإيراني. ولذلك يرفض أي رقابة على حركة الأموال أو آلية صرفها، ويرى أن قبول الشروط الأميركية يعني عملياً وضع الاقتصاد الإيراني تحت وصاية سياسية وأمنية غير مباشرة.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات لمسؤولين مقربين من الحرس الثوري تعتبر أن الهدف الأميركي من المفاوضات ليس فقط الملف النووي أو الأصول المجمدة، بل زعزعة الوضع الداخلي الإيراني واستنزاف النظام عبر الضغوط الاقتصادية والتفاوض الطويل.
أما الجناح الثاني، فهو المحافظ التقليدي المرتبط بالمؤسسات الدينية والسياسية التقليدية، والذي يحاول الموازنة بين حماية النظام ومنع الانهيار الاقتصادي. هذا الفريق لا يمانع التفاوض، لكنه يفضّل اتفاقات محدودة ومدروسة تحفظ هيبة النظام ولا تُظهر إيران في موقع المتراجع أمام واشنطن.
في المقابل، يقود الجناح البراغماتي أو الواقعي مقاربة مختلفة تقوم على أولوية الإنقاذ الاقتصادي. هذا التيار، الموجود داخل الحكومة والمؤسسات الاقتصادية والدبلوماسية، يرى أن استمرار العقوبات أخطر على استقرار النظام من تقديم تنازلات مرحلية في آليات الإفراج عن الأموال. لذلك يدفع باتجاه القبول بصيغ تدريجية تتيح تدفق السيولة إلى الداخل الإيراني ولو عبر قنوات مصرفية مراقبة أو وساطات خليجية ودولية.
أما الجناح الإصلاحي، فرغم تراجع نفوذه في السنوات الأخيرة، إلا أنه ما زال يعتبر أن حل الأزمة الإيرانية يبدأ من إعادة بناء العلاقة مع الغرب ورفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي والسياسي. غير أن هذا التيار بات أقل تأثيراً في القرار الفعلي مقارنة بالحرس الثوري والمؤسسات الأمنية.
ومن هنا تنبع العقدة الأساسية في ملف الأصول الإيرانية. فالخلاف لم يعد فقط بين إيران والولايات المتحدة، بل داخل النظام الإيراني نفسه: هل يتم قبول الإفراج التدريجي والمراقب عن الأموال لتخفيف الانهيار الاقتصادي؟ أم يتم رفض الآليات الأميركية باعتبارها مدخلاً للضغط السياسي والأمني على الجمهورية الإسلامية؟
فالولايات المتحدة، بحسب المعطيات المتداولة، تدفع نحو آلية تضمن أن تُستخدم الأموال في قطاعات محددة كالغذاء والدواء والسلع الأساسية، أو أن تمر عبر حسابات خاصة وقنوات خاضعة للرقابة الدولية. بينما يخشى الحرس الثوري أن يؤدي ذلك إلى تقييد قدرة إيران على تمويل نفوذها الإقليمي أو إدارة مواردها بحرية.

أما في النتيجة، فتبدو معركة الأصول الإيرانية اليوم أكثر من مجرد ملف مالي. إنها صراع داخلي بين أجنحة النظام على طبيعة المرحلة المقبلة: هل تكون مرحلة “احتواء اقتصادي” يقودها البراغماتيون، أم مرحلة “تشدد سيادي” يقودها الحرس الثوري تحت عنوان مواجهة الاختراق الأميركي؟ وبين هذين الاتجاهين، تتحول آلية الإفراج عن الأموال وكيفية صرفها إلى عنوان الخلاف الأكبر داخل الجمهورية الإسلامية نفسها.