مايز عبيد - نداء الوطن
لم تحتج عكار إلى عاصفة كبيرة حتى يظهر ضعف بنيتها التحتية. شتوتان فقط كانتا كافيتين لتحويل أكثرية الطرقات إلى برك مائية، ودفع الأقنية إلى الفيضان، وكشف حجم العجز في الاستعداد لموسم الشتاء، فيما بدت بعض البلديات عاجزة عن احتواء تداعيات الأمطار، وغابت المعالجة الجدية عن طرقات تقع مسؤولية صيانتها على وزارة الأشغال العامة والنقل.
المشهد لا يبدو عابرًا، خصوصًا أن الشتاء لم يبدأ بعد. فالأمطار الأولى أعادت إلى الواجهة مشكلة مزمنة تتمثّل في غياب صيانة دورية لشبكات تصريف المياه وتنظيف الأقنية ومجاري السيول، إلى جانب طرقات تحتاج إلى تأهيل حقيقي لا إلى ترقيع موسمي. واللافت أن بعض أعمال التزفيت التي نُفّذت هذا العام لم تصمد أمام أول اختبار للمياه. ففي أكثر من طريق، جرفت السيول أجزاء من الإسفلت الحديث، لتظهر الحفر والتشققات مجدّدًا، وكأن شيئًا لم يتغيّر. المشهد يطرح أسئلة مشروعة حول نوعية الأشغال وآلية تنفيذها ومراقبتها، ومدى مراعاتها لتصريف مياه الأمطار.
ولا تقتصر المشكلة على عكار وحدها، إذ تنسحب الصورة على المنية وطرقاتها، وصولا إلى أوتوستراد عكار - المنية - طرابلس، الذي يتحول في أكثر من نقطة، مع هطول الأمطار، إلى مصدر إضافي للقلق، سواء بفعل تجمع المياه أو تردّي بعض المقاطع، في وقت يشكل هذا الطريق شريانًا أساسيًّا لحركة المواطنين ونقل البضائع بين عكار وطرابلس.
وتبرز في المشهد أيضًا أزمة النفايات، التي تعود إلى الواجهة مع كل شتوة، إذ تحمل السيول الأكياس والنفايات المتراكمة على جوانب الطرقات وفي بعض مجاري المياه، لتتناثر مجدّدًا على الطرقات والأراضي. مشهد يعيد التذكير بأزمة نفايات مستمرة منذ سنوات، لم تجد البلديات والدولة لها حتى الآن حلا مستدامًا، فيما تتحول الأمطار في كل مرة إلى كاشف جديد لحجم المشكلة وتداعياتها البيئية والصحية.
ولا يقتصر خطر الشتاء على الطرقات والمنازل والخدمات، إذ يضع المزارعين أيضًا أمام موسم محفوف بالمخاطر. فالأمطار الغزيرة والسيول قد تتحول من نعمة ضرورية للمواسم الزراعية إلى خسائر مباشرة عندما تتجمع المياه في الأراضي أو تجرف التربة والمحاصيل، فيما تبقى الأراضي الواقعة في مسارات السيول الأكثر عرضة للأضرار. وبين الحاجة إلى الأمطار والخشية من غزارتها، يدخل المزارع العكاري كل موسم في معادلة دقيقة، ينتظر فيها المطر لإنقاذ موسمه، ويخشى في الوقت نفسه أن يتحول إلى سبب في خسارته.
لكن الخطر الأكبر قد لا يكون على الإسفلت. فالقرى الحدودية في عكار تبدو أمام احتمال أكثر جدية مع اشتداد موسم الأمطار لهذا العام، إذ يمكن لتجمع المياه وتدفق السيول أن يهددا المنازل والأراضي الزراعية، في وقت لم تُنجز حتى الآن إجراءات حماية أساسية، بينها إقامة ساتر ترابي يحمي السكان والمزروعات من الفيضانات.
وإلى جانب الطرقات والنفايات، تأتي الكهرباء والاتصالات لتزيد المشهد تعقيدًا. فما إن تهطل الأمطار في عدد من المناطق حتى تتكرر مشاهد انقطاع التيار الكهربائي، ويترافق ذلك في أحيان كثيرة مع انقطاع الإنترنت، وكأن الشتاء يتحول إلى اختبار شامل لقدرة البنية التحتية على الصمود أمام ظروف جوية يفترض أن تكون ضمن الحسابات السنوية.
وإذا كانت شتوتان قد كشفتا هذا الحجم من الثغرات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه قبل وصول العواصف الأقوى: ماذا أعدّت الدولة لعكار والمنية؟ وماذا أعدّت البلديات المنتخبة حديثًا لمواسم الأمطار؟
الوقت لا يزال متاحًا للتحرك: من تنظيف الأقنية ومجاري السيول وتأهيل الطرق، إلى معالجة أزمة النفايات وحماية القرى الحدودية وتعزيز جاهزية شبكات الكهرباء والاتصالات. أما انتظار الفيضانات والأعطال لبدء المعالجة، فسيعني أن الدولة والبلديات ستكونان مجدّدًا أمام أزمات كان يمكن الاستعداد لها مسبقًا.
في عكار والمنية، الشتاء لم يبدأ بعد... لكن الإنذار بدأ.