انفجار جديد في مرفأ بيروت... وهذه المرة في ملف تعويضات الضحايا!
11 Oct 202610:57 AM
انفجار جديد في مرفأ بيروت... وهذه المرة في ملف تعويضات الضحايا!
أخبار اليوم

 

لم تنتهِ مأساة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020. فبعد الدمار والضحايا والخسائر، تبرز اليوم معطيات عن ملف مالي بالغ الخطورة، قد يكشف، في حال ثبوتها، عن فصل جديد من انتهاك حقوق المتضررين، وهذه المرة تحت عنوان التعويضات التأمينية.

هل أصبح قدر اللبناني أن يُقتل في الانفجار، ثم تُهدر حقوقه في التعويض، فيما تبقى الجهات المكلّفة بحمايته مطالبة بتفسير ما فعلته لحفظ هذه الحقوق؟ وهل يُعقل أن تكون هناك تقارير تدقيق تتحدث عن أرباح غير مشروعة بقيمة 34 مليون دولار، فيما لا يزال مصير هذه الأموال والإجراءات المتخذة بشأنها غير واضح للرأي العام؟

تقارير تدقيق تكشف المستور
وفق المعلومات المتوافرة، تعاقدت وزارة الاقتصاد والتجارة مع شركة تدقيق أجنبية عاملة في لبنان لإجراء تدقيق مركّز ذي طابع جنائي في حسابات ست شركات تأمين أصدرت بوالص مرتبطة بالأضرار الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت. وتشير المعلومات المنسوبة إلى التقارير الناتجة عن هذا التدقيق إلى أن عددًا من شركات التأمين حقق أرباحًا غير مشروعة بلغت نحو 34 مليون دولار أميركي، على حساب المتضررين من حاملي بوالص التأمين.
أما الآلية التي تستدعي التحقيق، فتتمثل، وفق هذه المعطيات، في تقاضي شركات التأمين قيمة المطالبات من معيدي التأمين في الخارج بالدولار الأميركي النقدي، أو ما يُعرف بـ«الفريش دولار»، مقابل تسديد تعويضات المتضررين باللولار، أي بالدولار المصرفي الذي كانت قيمته الفعلية أقل بكثير من الدولار النقدي.
والأخطر أن المعلومات تشير إلى أن عددًا محدودًا من أصحاب النفوذ حصل على تعويضاته بالفريش دولار، في حين لم يحظَ المواطن العادي بالمعاملة نفسها.

فهل كانت حقوق المتضررين تُحدَّد وفقًا لبوالص التأمين، أم وفقًا لنفوذ أصحابها؟ وهل تحوّلت الأموال التي كان يفترض أن تعيد بناء منازل المواطنين ومؤسساتهم إلى مصدر أرباح غير مشروعة لبعض شركات التأمين؟
هذه أسئلة تستوجب إجابات واضحة تستند إلى المستندات، لا إلى التبريرات العامة.

التقارير وصلت إلى رئيس لجنة الرقابة… فماذا حصل بعدها؟ هنا نصل إلى الجانب الأكثر حساسية في هذا الملف.
فوفق المعلومات المتوافرة، سُلّمت تقارير التدقيق خلال شهري نيسان وأيار من عام 2024 إلى رئيس لجنة الرقابة على هيئات الضمان بالإنابة في حينه نديم حداد.
وهذه النقطة تحديدًا تضع مسؤولية المتابعة الرقابية في صلب القضية. فلجنة الرقابة على هيئات الضمان ليست مجرد جهة إدارية تتلقى التقارير وتحفظها في الملفات، بل هي جهة رقابية أُنشئت للإشراف على قطاع التأمين ومراقبة أعمال شركاته، بما يساهم في حماية حقوق المؤمَّن لهم والمستفيدين من بوالص التأمين.

من هنا، فإن السؤال الذي يُطرح على رئيس اللجنة آنذاك ليس سؤالًا شخصيًا، بل سؤال يتعلق بممارسة المسؤولية العامة:
- ماذا فعل نديم حداد بعد تسلّمه تقارير التدقيق في نيسان وأيار 2024؟
- هل درس النتائج التي توصلت إليها شركة التدقيق؟
- هل طلب توضيحات من شركات التأمين المعنية؟
- هل جرى التحقق من الفروقات بين المبالغ التي قبضتها الشركات من معيدي التأمين وتلك التي دفعتها فعليًا للمتضررين؟
- هل اتُّخذت إجراءات رقابية بحق أي شركة ثبت ارتكابها مخالفات؟
- هل أُحيلت النتائج التي قد تنطوي على مخالفات قانونية إلى الجهات القضائية المختصة؟
- إذا كانت إجراءات قد اتُّخذت بالفعل، فما طبيعتها وما نتائجها؟
إن تسلّم تقارير بهذا الحجم من الخطورة يستوجب توضيحًا رسميًا بشأن مسارها والإجراءات التي أعقبتها.

من يحمي المواطن من شركات التأمين؟
إن الدور الأساسي للرقابة على قطاع التأمين لا يقتصر على متابعة الملاءة المالية للشركات واستقرار السوق، بل يشمل أيضًا مراقبة التزام الشركات بالقوانين والأنظمة وحماية حقوق أصحاب البوالص.
فالمواطن الذي يدفع أقساط التأمين طوال سنوات يفترض أن يجد في الجهات الرقابية ضمانة لحماية حقوقه عندما تقع الكارثة. لكن ماذا يحدث عندما تثار شبهات حول استيفاء شركات التأمين تعويضات بالدولار النقدي من الخارج، وتسديدها للمواطنين بقيمة أقل؟ وماذا يحدث عندما تشير تقارير تدقيق إلى أرباح غير مشروعة بملايين الدولارات؟ 
هنا تصبح فعالية الرقابة موضع مساءلة مشروعة. فالرقابة الحقيقية لا تُقاس بعدد التقارير التي تتسلّمها، بل بالإجراءات التي تتخذها عندما تكشف تلك التقارير عن مخالفات محتملة تمسّ حقوق المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن من حق المتضررين معرفة ما إذا كانت لجنة الرقابة قد استخدمت الصلاحيات المتاحة لها لمتابعة هذه القضية، وما إذا كانت قد اتخذت الخطوات اللازمة لضمان عدم ضياع حقوقهم.

34 مليون دولار… أين ذهبت؟
إن الحديث عن 34 مليون دولار ليس مجرد رقم في تقرير محاسبي. إنه مبلغ يُشتبه، وفق المعلومات المنسوبة إلى تقارير التدقيق، في أنه تحقق بصورة غير مشروعة على حساب مواطنين فقدوا منازلهم ومؤسساتهم ومصادر رزقهم في واحدة من أكبر الكوارث التي شهدها لبنان.
وإذا ثبتت هذه النتائج، فإن السؤال لن يكون فقط عن الشركات التي حققت تلك الأرباح، بل أيضًا عن كيفية تعامل الجهات الرقابية مع المعلومات التي وُضعت بتصرفها.
- هل جرى تحديد المبالغ المستحقة لكل متضرر؟
- هل اتُّخذت خطوات لاسترداد أي فروقات ثبت أنها مستحقة لحاملي البوالص؟
- هل أُبلغ المتضررون بحقوقهم الفعلية؟
والسؤال الأهم: هل بقيت نتائج التدقيق حبيسة الملفات، أم تُرجمت إلى إجراءات فعلية لحماية المواطنين؟

مسؤولية لا تنتهي عند تسلّم التقرير
إن تسلّم رئيس لجنة الرقابة على هيئات الضمان بالإنابة تقارير تدقيق تتضمن شبهات مالية بهذا الحجم، إذا تأكدت الوقائع المتعلقة بمضمونها وتسليمها، يفرض ضرورة توضيح مسار التعامل معها. ولا يعني ذلك افتراض تقصير أو تواطؤ من جانب رئيس اللجنة أو أي مسؤول آخر، بل يعني أن الشفافية والمساءلة تقتضيان الكشف عن الإجراءات التي اتُّخذت، وعن العوائق التي ربما حالت دون اتخاذ إجراءات إضافية.
فإذا كانت اللجنة قد قامت بواجباتها، فمن حق الرأي العام الاطلاع على نتائج عملها.
أما إذا ثبت وجود تقصير في متابعة مخالفات موثقة، فإن تحديد المسؤوليات يصبح ضرورة لحماية حقوق المتضررين وضمان فعالية المؤسسات الرقابية.

انفجار المرفأ لم ينتهِ… والعدالة لا تتجزأ
بعد أكثر من 6 سنوات على انفجار مرفأ بيروت، لا يزال اللبنانيون ينتظرون العدالة. لكن العدالة لا تقتصر على تحديد المسؤوليات عن الانفجار نفسه، بل تشمل أيضًا حماية الحقوق المالية للمتضررين ومحاسبة كل من يثبت أنه استفاد بصورة غير مشروعة من مأساتهم.
واليوم، تتجه الأنظار إلى لجنة الرقابة على هيئات الضمان، وإلى رئيسها بالإنابة في عام 2024 (والذي أصبح في النصف الأول من عام 2025 رئيساً بالأصالة)، الأستاذ نديم حداد، للإجابة عن سؤال واضح: ماذا حصل لتقارير التدقيق التي سُلّمت إليه، وماذا فُعل لحماية حقوق المتضررين؟
إن المطلوب كشف نتائج هذه التقارير، وتوضيح الإجراءات الرقابية والقضائية التي اتُّخذت بشأنها، والتحقق من مصير المبالغ موضوع الشبهات، وإعادة أي حقوق يثبت أنها سُلبت من أصحابها. فالمواطن الذي دفع ثمن الانفجار من حياته وممتلكاته، لا يجوز أن يدفع ثمن أي مخالفات مالية محتملة من تعويضاته أيضًا.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة: من يحاسب شركات التأمين عندما تخالف القانون، ومن يحاسب الجهات الرقابية إذا ثبت أنها لم تمارس صلاحياتها لحماية المواطن؟

إنفاذ القانون وحماية حقوق المتضررين ليسا خيارًا، بل مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات المعنية، ولا تسقط بمرور الزمن أو بتبدّل المسؤولين.