علي كيالي أمام العدالة: لماذا تُرك مطلوبٌ لسوريا وتركيا في لبنان؟
16 Oct 202613:59 PM
علي كيالي أمام العدالة: لماذا تُرك مطلوبٌ لسوريا وتركيا في لبنان؟
أخبار اليوم

 

اسم علي كيالي المطلوب أمام العدالة في سوريا وتركيا لتورطه في مجازر بانياس والتفجيرات الدامية في تركيا، عاد الى الواجهة، انطلاقا من وجوده في لبنان، فيما تتحدث تقارير عن أن دمشق طلبت من بيروت تسليمه قبل توقيفه.

تعلق مصادرأمنية سورية عبر وكالة "أخبار اليوم" على حادثة المنصورية بالامس، قائلة: بدلا من اختزال القضية في الجدل حول ظروف توقيفه، ينبغي التوقف عند المفارقة الأساسية: كيف يمكن لشخص ارتبط اسمه باتهامات خطيرة بارتكاب جرائم ضد المدنيين في سوريا، وبالتورط في تفجيرات أوقعت عشرات القتلى في تركيا، أن يصبح وجوده في لبنان موضوعاً لا يقل إثارة للأسئلة عن عملية توقيفه نفسها؟
يوم أمس أعلنت السلطات السورية توقيف كيالي (المعروف ايضا باسم معراج أورال) ، مؤكدة أن جهاز الاستخبارات العامة ألقى القبض عليه أثناء محاولته الفرار عبر الحدود. ونقلت وكالة الأناضول التركية، بدورها، عن مصادر أمنية تركية أن العملية جرت بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات الوطنية التركي. في المقابل، تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن اقتياده من منزله في المنصورية.
لكن بعيداً عن اختلاف الروايات بشأن المكان الدقيق للعملية، ثمة حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: توقيف كيالي يضع ملف محاسبة المتهمين بجرائم المرحلة السابقة في صلب المشهد السوري، ويعيد طرح مسؤولية الدول عن منع المطلوبين من الإفلات من المساءلة، بحسب المصادر عينها.

لماذا لم يُسلَّم كيالي إلى سوريا؟
وفق تقارير ومعلومات، كانت الأجهزة الأمنية السورية قد طلبت من لبنان تسليم كيالي، ونقلت دمشق إلى بيروت امتعاضها من وجود شخص متهم بجرائم ضد الإنسانية على الأراضي اللبنانية.
وهنا تقول المصادر: إذا تأكدت هذه المعلومات، فإن السؤال يصبح مشروعاً ومباشراً: ماذا فعلت السلطات اللبنانية إزاء الطلب السوري؟ وهل جرى التعامل معه عبر القنوات القضائية المختصة؟ وهل طُلبت ملفات الاتهام والأدلة اللازمة لاتخاذ قرار بشأن التسليم؟ وإذا لم يُستكمل المسار، فما الأسباب القانونية أو الإجرائية التي حالت دون ذلك؟
وتوضح المصادر انه ليس المطلوب من لبنان تسليم أي شخص لمجرد أن دولة أخرى تطلبه، فالتسليم يخضع للقوانين والإجراءات القضائية. لكن على الدولة، حين تتلقى طلباً جدياً يتعلق بشخص متهم بجرائم بالغة الخطورة، أن تدرسه وفق الأصول، وأن تبيّن ما إذا كانت هناك موانع قانونية تحول دون تنفيذه. أما أن يبقى الملف محاطاً بالغموض، بينما تتداول وسائل الإعلام معلومات عن طلب سوري سابق، فذلك يفتح الباب أمام تساؤلات حول آليات التعاون القضائي بين بيروت ودمشق، ومدى فاعليتها في ملاحقة المتهمين بجرائم خطيرة.

رجل تتجاوز قضيته الحدود السورية
لم يكن كيالي شخصية محلية محصورة في النزاع السوري. فهو من مواليد محافظة هاتاي التركية عام 1956، وانتقل إلى سوريا في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح من أبرز قادة التشكيلات المسلحة الموالية لنظام الأسد السابق.
ارتبط اسمه باتهامات تتعلق بمجزرتَي البيضا ورأس النبع في بانياس عام 2013، اللتين وثّقت منظمات حقوقية سقوط مئات المدنيين فيهما. كما ارتبط اسمه بتفجيرات الريحانية في ولاية هاتاي التركية في أيار 2013، التي أسفرت عن مقتل 53 شخصاً، وفق الحصيلة التي أوردتها تقارير عن التحقيقات التركية.
هذه الخلفية تفسّر لماذا لم تكن القضية شأناً سورياً داخلياً فحسب. فتركيا كانت تلاحق المتهمين في ملف تفجيرات الريحانية، وأعلنت مصادر أمنية تركية أن توقيف كيالي جاء في عملية منسقة مع الاستخبارات السورية.
وعليه، فإن السؤال اللبناني لا يتعلق بشخصية مثيرة للجدل أو يرتبط فقط بالنظام سابق، بل بشخص تلاحقه اتهامات خطيرة في ملفين يتصلان بضحايا مدنيين في بلدين مختلفين.
من هنا، تتابع المصادر: يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا كيف أمكن لكيالي الإقامة على الأراضي اللبنانية، وما إذا كانت الأجهزة المختصة على علم بوجوده، وما الإجراءات التي اتخذتها في ضوء المعلومات المتوافرة لديها. وهذه أسئلة عن أداء المؤسسات، لا اتهامات جاهزة لأفراد أو جهات بعينها.

دمشق لا تطالب بحق استثنائي
وترى المصادر إن ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة ليست امتيازاً تمنحه دولة لنفسها، ولا ينبغي أن تخضع لموازين التحالفات السياسية. فحق الضحايا في العدالة لا يتغير بتغير الأنظمة، ولا يسقط لأن المتهم كان يتمتع بنفوذ أو حماية في مرحلة سابقة.
ومن هذه الزاوية، ترى المصادر انه يمكن فهم توقيف كيالي باعتباره خطوة مهمة في مسار محاسبة المتهمين بجرائم ارتُكبت بحق السوريين. فالدولة السورية الجديدة تواجه اختباراً عملياً في قدرتها على الانتقال من توثيق الانتهاكات إلى ملاحقة المسؤولين عنها، وإحالتهم إلى القضاء المختص.
وتضيف: لا يعني ذلك أن التوقيف يثبت الإدانة بصورة تلقائية، فهذه مهمة القضاء، الذي يحدد المسؤوليات ويضمن حق الدفاع. لكن فتح المسار القضائي يظل خطوة ضرورية حتى لا تتحول الاتهامات الخطيرة إلى ملفات مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

لا تجعلوا طريقة التوقيف بديلاً من ملف العدالة
وردا على سؤال، توضح المصادر ان الجدل بشأن عملية المنصورية مشروع، لكنه لا ينبغي أن يصبح وسيلة لإهمال القضية الأساسية. فإذا كانت هناك عملية خطف داخل لبنان، فإنه على السلطات اللبنانية التحقيق في ظروفها وتحديد المسؤولين عنها. غير أن التحقيق في طريقة توقيف كيالي لا يلغي ضرورة متابعة الاتهامات المنسوبة إليه، كما أن هذه الاتهامات لا تعفي أي جهة من الالتزام بالقانون.
والأهم أن وجود روايتين مختلفتين لا يبرر تحميل الدولة السورية مسؤولية عملية لم تثبت صلتها بها، ولا يبرر في المقابل اعتبار جميع ظروف التوقيف محسومة. المطلوب هو تحديد الوقائع بدقة، مع إبقاء المسار القضائي المتعلق بالجرائم المنسوبة إلى كيالي قائماً.
وتشدد المصادر على ان تحويل القضية إلى مواجهة سياسية بين لبنان وسوريا، لن يخدم ضحايا بانياس أو ضحايا تفجيرات الريحانية، ولا مصلحة لبنان، ولن يساعد على كشف الحقيقة، مشيرة الى ان المصلحة المشتركة تكمن في أن تتعاون المؤسسات المعنية، وأن تكون هناك إجابات واضحة بشأن طلبات التسليم السابقة، والإجراءات القضائية المقبلة في حال طلبت دمشق أسماء متهمين بارتكاب جرائم في سوريا.

السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه بيروت
وفي سياق متصل، تقول المصادر المتابعة عينها: إذا كانت دمشق قد طلبت تسليم كيالي قبل توقيفه، فإن على السلطات اللبنانية أن توضح ما الذي جرى لهذا الطلب. هل وصل عبر القنوات الرسمية؟ هل أُحيل إلى القضاء؟ هل طُلبت مستندات إضافية؟ وهل وُجد مانع قانوني محدد حال دون اتخاذ إجراء؟ فهذه ليست أسئلة عدائية، بل هي أسئلة ضرورية لأي دولة تريد أن تثبت أن أراضيها لا تتحول إلى ملاذ للمتهمين بجرائم جسيمة، وأن التعامل مع طلبات الملاحقة والتسليم يتم وفق قواعد معلومة لا وفق اعتبارات سياسية غامضة.
وفي الوقت نفسه، "تملك دمشق فرصة لإثبات أن توقيف كيالي لن يتوقف عند حدود الإعلان الأمني، بل سيتحول إلى مسار قضائي شفاف يتيح للضحايا معرفة الحقيقة ويحدد المسؤوليات على أساس الأدلة" على حدّ تعبير المصادر التي تضيف: لقد انتظر ضحايا بانياس سنوات طويلة، ومن حقهم اليوم أن يروا ملفهم يتحرك، لا أن يضيع مجدداً في متاهة الخلافات السياسية والإجرائية.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان توقيف كيالي قد أحرج هذه الجهة أو أزعج تلك، بل لماذا ظل ملفه مفتوحاً طوال هذه السنوات، وما الذي ينبغي فعله حتى لا تتكرر تجربة الإفلات من العقاب.

وتختم المصادر: العدالة لا تتحقق بمجرد توقيف متهم، لكنها لا تبدأ أيضاً من التشكيك في كل خطوة تؤدي إلى وضعه أمام القضاء. إنها تبدأ حين تصبح المحاسبة ممكنة، وحين لا تعود الحدود أو النفوذ أو التحالفات سبباً لإبقاء الملفات الخطيرة معلقة.