الطعن الرئاسي يعيد الاعتبار إلى الضمانات الدستورية في الإصلاح المصرفي
22 Oct 202607:14 AM
الطعن الرئاسي يعيد الاعتبار إلى الضمانات الدستورية في الإصلاح المصرفي
نداء الوطن

موريس متى

نداء الوطن
قرار المجلس الدستوري يفتح مرحلة جديدة في النقاش حول إعادة هيكلة المصارف، ويعيد إلى الواجهة أسئلة تتعلّق بوضوح الصلاحيات واستقلالية المؤسسات وحماية النظام المالي وحقوق المودعين.

لم يكن قرار المجلس الدستوري في 20 تشرين الأول 2026، القاضي بالإجماع بقبول مراجعة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وإبطال المادة الثالثة من القانون رقم 71 المعدِّل لقانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، مجرد تطور قضائي في ملف مالي معقّد. فقد أعاد طرح سؤال أساسي: كيف تُبنى إصلاحات مصرفية قابلة للتطبيق وتحترم الضمانات الدستورية والقانونية؟

شمل القرار إبطال عبارتين من المادتين 19 و27، تتعلق الأولى بمنع السفر، والثانية بالحماية من الملاحقات القضائية، تأكيدًا لضمانات الحرية الشخصية وصلاحيات القضاء وحق اللجوء إليه. ولا يمتد إبطال المادة الثالثة إلى المادة المقابلة في القانون الأصلي رقم 23 لعام 2025، وبالتالي لا يسقط الإطار التشريعي للإصلاح برمّته. وتتجاوز أهمية القرار نتيجته المباشرة، إذ يعيد النقاش حول صياغة التشريعات التي ستحدّد مستقبل المصارف. ولا يعني الإبطال أن المجلس حسم جميع الإشكاليات المتعلقة بتوزيع الصلاحيات بين مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا، لكنه يعيدها إلى طاولة المشترع لمعالجتها عند وضع أي صياغة جديدة.
الطعن الرئاسي: ممارسة دستورية

منذ تقديم الرئيس عون طعنه، اعتبر منتقدون أنه يعرقل إعادة الهيكلة، أو يخدم مصالح المصارف، أو يهدّد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. لكنّ هذه الانتقادات لا تجيب عن سؤال جوهري: هل يمكن بناء إصلاح مستدام على نصوص تتيح تضارب الصلاحيات وتعدّد المرجعيات؟

تمنح المادة 19 من الدستور رئيس الجمهورية صراحة حق مراجعة المجلس الدستوري للطعن في دستورية القوانين، وهي صلاحية تختلف عن المادة 57 التي تتيح له طلب إعادة النظر في قانون أمام مجلس النواب. فالطعن ليس رفضًا سياسيًا للتشريع، بل وسيلة مؤسساتية للتحقق من احترام الدستور. ومن هذا المنطلق، أخضع الرئيس نصًا شديد الحساسية للرقابة قبل تطبيقه في قطاع لا يحتمل نزاعات قانونية إضافية. فاللبنانيون لا يحتاجون إلى قانون يحمل عنوان الإصلاح فحسب، بل إلى أحكام واضحة قابلة للتنفيذ، لا تتحول لاحقًا إلى مصدر طعون أو تعطيل بسبب غموض المسؤوليات والاختصاصات.
المادة الثالثة: إشكالية سبقت الطعن

لم تبدأ التساؤلات مع المبادرة الرئاسية. ففي مناقشات لجنة المال والموازنة في تموز 2026، برز الخلاف حول موقع مصرف لبنان في منظومة الإصلاح وحدود صلاحيات مجلسه المركزي، مقارنة بتلك الممنوحة للهيئة المصرفية العليا. وفي 14 تموز، توصلت اللجنة إلى صياغة تربط القانون بقانون النقد والتسليف، ولا سيما مادته 70، لكنّ الإشارة إليها غابت عن الصيغة النهائية، ما أعاد طرح العلاقة بين الصلاحيات القائمة والجديدة.

فإعادة الهيكلة لا تطال مؤسسات تجارية عادية، بل ركنًا من النظام المالي والنقدي. وقد تنعكس القرارات المتعلقة بمصرف متعثّر على سيولة القطاع وثقة المودعين والاستقرار العام. لذلك، لا يصحّ فصل صلاحيات هيئات الإصلاح الجديدة عن مسؤوليات مصرف لبنان من دون تنظيم دقيق للعلاقة بينها.

المادة 70: حماية المؤسسة لا الأشخاص

تنص المادة 70 من قانون النقد والتسليف على أن مهمة مصرف لبنان العامة المحافظة على النقد لتأمين أساس نمو اقتصادي واجتماعي دائم، وتشمل مسؤولياته سلامة النقد اللبناني والاستقرار الاقتصادي وسلامة النظام المصرفي وتطوير الأسواق النقدية والمالية. وهذه المهام تعود إلى مؤسسة، لا إلى حاكم بعينه أو أعضاء مجلس مركزي محدّدين.

لذلك لا ينبغي اختزال الخلاف في صراع نفوذ بين الحاكم والهيئة المصرفية العليا، أو تعزيز موقع طرف على حساب آخر. فاستقلالية الهيئة ضرورية لمعالجة المصارف المتعثّرة بعيدًا عن الضغوط والمصالح الخاصة، لكنها لا تُغني عن تحديد علاقتها بمؤسسات تتمتع أصلا بصلاحيات قانونية.

ماذا لو قرّرت الهيئة اتخاذ إجراءات فورية بحق مصرف كبير، بينما رأى مصرف لبنان أن تنفيذها يهدّد السيولة أو الاستقرار؟ أين تنتهي صلاحيات الهيئة وتبدأ صلاحيات المصرف المركزي؟ من يحسم الخلاف، ومن يتحمّل نتائجه؟ ليست هذه أسئلة نظرية، فقد تؤدي النزاعات الإدارية والقضائية إلى تأخير معالجة الأزمات المصرفية. وللمشترع حق إعادة توزيع الصلاحيات أو نقل بعضها إلى جهة جديدة، شرط أن يفعل ذلك بنصوص صريحة تحدد الاختصاصات والمسؤوليات والضمانات، بدلا من ترك العلاقة بين المؤسسات للتأويل.

حماية المودعين لا تتحقق بالشعارات

يبقى المودعون الحلقة الأكثر حساسية. فمنذ الأزمة، ينتظر مئات آلاف اللبنانيين معرفة مصير ودائعهم، وسبل استردادها، وتوزيع الخسائر، ومسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمساهمين. ولا تقتصر إعادة الهيكلة على إقفال مصارف أو دمجها أو إعادة رسملتها، بل تتطلب تحديد القادر منها على الاستمرار، وما يستوجب إجراءات تصحيحية أو تصفية، وآليات واضحة لتوزيع الخسائر والالتزامات، مع حماية حقوق المودعين قدر الإمكان والحد من مخاطر زعزعة الاستقرار المالي.

أما اتهام الطعن بأنه حماية تلقائية لأصحاب المصارف، فيحتاج إلى أدلة تتجاوز السجال السياسي. فالمادة الثالثة لا تحدّد بحدّ ذاتها حجم الودائع المستردة، ولا تعالج الفجوة المالية، ولا تحسم ترتيب تحمّل الخسائر بين المساهمين والدائنين والدولة ومصرف لبنان. إنها تتناول الإطار المؤسساتي والقانوني لتنفيذ الإصلاح، وأي خلل فيه قد ينعكس على القرارات المستقبلية وحق المتضررين في المطالبة بحقوقهم.

ما نفع قانون يُقرّ سريعًا إذا تعطّلت قراراته لاحقًا بسبب تضارب الاختصاصات؟ وكيف يستفيد المودعون من وعود لا تستطيع المؤسسات تنفيذها؟ تبدأ الحماية بالاعتراف بالخسائر وتحديد المسؤوليات واعتماد آليات عادلة وقابلة للتطبيق لاستعادة الحقوق، ضمن أساس قانوني سليم.

صندوق النقد ليس بديلا عن المؤسسات الدستورية

حذّر معارضو الطعن أيضًا من تداعياته على التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وإعادة الهيكلة بالفعل من المتطلبات الأساسية للصندوق، الذي رحّب بالتعديلات على قانون الإصلاح المصرفي. لكن تقييمه الفني والقانوني لا يحلّ محل صلاحيات المؤسسات الدستورية اللبنانية.

ففي الأول من تشرين الأول 2026، أعلن الصندوق علمه بالمراجعة أمام المجلس الدستوري، واستعداده لإعادة تقييم أي تعديلات تنجم عنها لقياس انسجامها مع المعايير الدولية. لذا لم يكن تقديم الطعن دليلا على سقوط فرص الاتفاق معه أو بلوغ الإصلاح طريقًا مسدودًا. وبعد القرار، يبقى التحدّي التوفيق بين المعايير الدولية ومتطلبات الإصلاح المالي، وبين احترام الدستور وتوضيح الاختصاصات. فلا بد من إصلاح مقبول اقتصاديًا، متين قانونيًا وقابل للتنفيذ مؤسساتيًا.

ما بعد القرار: فرصة لتصحيح المسار

لا يعني إبطال المادة الثالثة إسقاط إعادة الهيكلة أو إلغاء الحاجة الملحّة إليها، بل يتيح مراجعة النص وتوضيح الإشكاليات التي رافقت إعداده. وقد خضع القانون الأصلي رقم 23 لعام 2025 سابقًا لرقابة المجلس الدستوري، فأبطل بعض أحكامه وأبقى أخرى من دون إنهاء المسار التشريعي. فالرقابة الدستورية قد تكون ضمانة لاستدامة الإصلاح، لا نقيضًا له.

والمطلوب اليوم صياغة تحدّد دور مصرف لبنان واستقلالية الهيئة المصرفية العليا وآليات التنسيق بينهما، مع ضمان قدرتها على التدخل الفعّال في أوضاع المصارف المتعثّرة. ويجب ألا تؤخّر معالجة هذه المسائل التشريعات والإجراءات اللازمة لتحديد الخسائر وحماية المودعين واستعادة الثقة.

فلا يصحّ اتخاذ الدستور ذريعة للتعطيل، ولا اتخاذ الاستعجال في الإصلاح مبرّرًا لتجاوز ضماناته. والإصلاح لا يُقاس بعدد القوانين أو سرعة إقرارها، بل بفاعليتها وحمايتها للحقوق وقدرتها على منع تكرار الأزمات. وإذا أنهى قرار المجلس الدستوري مرحلة من النزاع حول المادة الثالثة، فإنه يحمّل المشترع مسؤولية صياغة نص واضح يحترم الدستور، ويضبط الصلاحيات، ويحفظ استقلال المؤسسات، ويوفّر إطارًا فعليًا لإعادة هيكلة المصارف.