خضر نجدي
نداء الوطن
غالباً ما يُستخدم مصطلح «الإنذار المبكر» في المجالات العسكرية والأمنية، ويُقصد به امتلاك السلطات القدرة على استشعار الأخطار قبل وقوعها، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنعها أو الحدّ من أضرارها. غير أن الغاية الأعمق من بناء منظومات الإنذار المبكر لا ينبغي أن تقتصر على تخفيف الخسائر عند حدوث الخطر، بل أن تتجاوز ذلك إلى تفكيك الآليات التي تنتجه، وتعطيل الأسباب التي تسمح بتكراره، وصولاً إلى توفير شروط الاستقرار التي تمنح المجتمع شعوراً فعلياً بالأمان، لا مجرد الاطمئنان المؤقت بين كارثتين.
والإنذار المبكر، بهذا المعنى، ليس حكراً على الحروب والتهديدات العسكرية، بل يشمل مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمؤسساتية. فاختلال أداء المؤسسات، وتراجع سيادة القانون، وتنامي الفساد، واحتكار التمثيل السياسي والاجتماعي، وتفكك منظومات الحماية، جميعها مؤشرات تستدعي الإنذار المبكر، لأنها تنبئ بأخطار قد لا تقل تدميراً عن الأخطار العسكرية، بل قد تكون من الأسباب التي تجعل المجتمع عاجزاً عن مواجهتها. والمفارقة أن لبنان اليوم يحتاج إلى منظومات الإنذار المبكر هذه مجتمعة، في ظل حرب مدمرة وتداعياتها المستمرة، وانهيار اقتصادي ومالي، وتفكك مؤسساتي، وتراجع غير مسبوق في قدرة الدولة على حماية مواطنيها. وإذا كانت السلطة عاجزة، لأسباب تتداخل فيها موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية، عن توفير الحماية الكاملة من الأخطار العسكرية، فإن هذا العجز لا يبرر إهمال المجالات الأخرى، بل يجعل تحصين الداخل أكثر إلحاحاً وضرورة.
لكن ما يجري يوحي بأن السلطة تسير في الاتجاه المعاكس. فبدلاً من تحويل العجز عن منع الحرب إلى حافز لإعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، يجري اعتماد الدبلوماسية الخارجية والداخلية بوصفها بديلاً من المواجهة السياسية والمؤسساتية الضرورية. وإذا كانت نتائج الدبلوماسية الخارجية لا تخضع بالكامل لإرادة المسؤولين اللبنانيين، فإن الأمر يختلف جذرياً في إدارة العلاقات الداخلية، حيث تمتلك السلطة الدستورية أدوات ووسائل لاستخدام صلاحياتها، لكنها تختار في كثير من الأحيان عدم استخدامها.
وهنا تبرز سياسة رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في التعامل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتبارها نموذجاً بالغ الدلالة على الخلط بين ضرورات الاستقرار السياسي وبين إعادة إنتاج الآليات التي ساهمت في انهيار الدولة. ينطلق الرئيسان، على ما يبدو من سلوكهما السياسي، من تقدير يقوم على ضرورة مراعاة موقع الرئيس بري داخل الطائفة الشيعية، وتجنب تعميق شعور أبنائها بالاستهداف، خصوصاً في ظل النتائج الكارثية للحرب، وتراجع قدرة حزب الله على الفصل بين خياراته السياسية والعسكرية وبين الاعتبارات الإقليمية المرتبطة بإيران. وقد يكون مفهوماً أن تسعى السلطة إلى منع الانقسام الداخلي، والحفاظ على التواصل مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، إلا أن الخطأ يبدأ عندما تتحول هذه الضرورة إلى تسليم بحق طرف سياسي في احتكار تمثيل طائفة بكاملها، وترجمة هذا الاحتكار إلى امتيازات داخل مؤسسات الدولة.
فالرئيس بري ليس مجرد رئيس لحركة أمل، بل هو رئيس مجلس النواب اللبناني، وأحد أبرز أركان السلطة السياسية التي أدارت البلاد خلال العقود الماضية. ومن موقعه الدستوري تحديداً، يفترض أن يكون معنياً بحماية المؤسسات وتحريرها من المحاصصة، لا أن يُتعامل معه باعتباره المرجع الذي ينبغي إرضاؤه في كل تعيين أو قرار يتصل بالمواقع المحسوبة على الطائفة الشيعية.
والأخطر أن هذا النهج لا يحمي الطائفة الشيعية، بل يساهم في تكريس ربط مصالحها وحقوق أبنائها بإرادة زعيم سياسي واحد كان مسؤولا اساسيا مع آخرين عما وصلنا اليه . وبذلك تتحول محاولة تخفيف الشعور بالاستهداف إلى مساهمة فعلية في تثبيت احتكار التمثيل، وإضعاف قدرة المواطنين الشيعة أنفسهم على الاستفادة من دولة تقوم على الكفاءة والمساواة وتكافؤ الفرص.
وقد ظهرت مفاعيل هذه السياسة منذ تشكيل الحكومة، عندما استمر منطق التسميات السياسية والطائفية في اختيار الوزراء، رغم الآمال التي عُلقت على العهد الجديد والحكومة الجديدة في اعتماد معايير مختلفة. ثم امتد النهج نفسه إلى التعيينات الإدارية والمؤسساتية، حيث برزت الاعتراضات على تعيين رئيس الجامعة اللبنانية، وصولاً إلى تعيين محافظ النبطية وأحد أعضاء مجلس إدارة السكك الحديد، والأخطر فيما يتم تداولة في تعيينات اساتذة الجامعة ، ليأتي الأعظم اذا ما تم فرض آليات اعادة الاعمار اذا تمت كما السابق وفق الصيغ الحزبية والطائفية التي من شأنها ان لتعيد استغلال النفوذ وفرض واقع فاجر، يفترض ان يكون امام لحظة حياء ونحن نعيش هذه المحنة التي تسبببها صاحب النفوذ المعني .
وليست المشكلة في الانتماء السياسي أو الطائفي للأشخاص المعينين، ولا في افتراض عدم أهليتهم لمجرد قربهم من جهة سياسية، بل في استمرار الآلية التي تجعل موافقة المرجعية السياسية شرطاً غير معلن لشغل الموقع العام، بدلاً من الاحتكام إلى الكفاءة والاستقلالية والقانون والمنافسة العادلة. فيتم اختيار الاشخاص الموالين واستبعاد اللآخرين الأكثر ملائمة للموقع المطروحة ، لا لشيئ الا لتكريس النفوذ واستغلاله والتمسك بمفاتيح فرض الشروط التي لم تنتج سوى الدار والكارثة .أما ما يثار حول قانونية بعض التعيينات ومدى احترامها للمعايير، فيستوجب تدقيقاً ومساءلة، لا تحويل الاعتراض عليها إلى خلاف سياسي عابر.
هذه الممارسات تشكل، في ذاتها، منظومة واضحة من مؤشرات الإنذار المبكر. فهي لا تنبئ بخطر مجهول أو محتمل فحسب، بل تكشف عن استمرار الأسباب التي أنتجت الكارثة اللبنانية. فالانهيار المالي الذي انفجر عام 2019 لم يكن حادثاً منفصلاً عن طريقة إدارة الدولة، كما أن تفكك المؤسسات وتراجع قدرتها على اتخاذ القرار لم يكونا نتيجة الحرب وحدها. لقد سبقتهما عقود من تقاسم السلطة والنفوذ والموارد، وتعطيل المساءلة، وإخضاع المؤسسات العامة لمصالح القوى السياسية. ومن غير المنطقي انتظار نتائج مختلفة ما دامت الآليات نفسها مستمرة، حتى لو تبدلت أسماء المسؤولين، وتغير الخطاب السياسي، وارتفعت شعارات الإصلاح واستعادة الدولة.
ولا يمكن إعفاء الرئيسين عون وسلام من مسؤولية هذه الخيارات بحجة التعقيدات السياسية أو الحاجة إلى التوافق. فالتوافق الذي يحمي المؤسسات يختلف جذرياً عن التوافق الذي يعطل معايير عملها، كما أن احتواء الخلافات الداخلية لا يستوجب التسليم بشروط القوى التي ساهمت في إنتاج الأزمة.
والتمييز هنا أساسي بين الدبلوماسية الداخلية بوصفها أداة لإدارة الاختلاف ومنع الصدام، وبين المسايرة السياسية التي تمنح طرفاً واحداً القدرة على فرض شروطه، بينما تتحمل السلطة الدستورية والمجتمع بكامله مسؤولية القرارات ونتائجها. فالدبلوماسية الحقيقية تقوم على التفاوض المتبادل، وتحديد المصالح المشتركة، والالتزام بقواعد الدولة. أما الدبلوماسية التي تتنازل مسبقاً عن هذه القواعد، فإنها تتحول إلى وسيلة لإدارة الاختلال بدلاً من معالجته.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن سياسة الاحتواء هذه تُمارس في لحظة يفترض أن تكون استثنائية في تاريخ لبنان. فالبلاد تواجه أخطاراً تتصل ببقائها وقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها ومجتمعها. وفي مثل هذه الظروف، لا يجوز التعامل مع التعيينات والقرارات الإدارية باعتبارها تفاصيل يمكن التضحية بها لتجنب خلاف سياسي. إنها من الأدوات الأساسية لاستعادة الدولة، وتحديد طبيعة السلطة التي ستدير مرحلة ما بعد الكارثة.
كما أن مواجهة هذا النهج لا تعني مواجهة الطائفة الشيعية أو أي طائفة أخرى، بل العكس تماماً. إن تحرير المؤسسات من احتكار المرجعيات السياسية يشكل حماية للمواطنين جميعاً، بمن فيهم أبناء الطائفة الشيعية الذين دفعوا أثماناً باهظة للحرب والانهيار، ويحتاجون، قبل غيرهم ربما، إلى دولة قادرة على توفير الحماية والخدمات والحقوق بعيداً عن الولاءات السياسية.
ولا تستقيم هذه المقاربة إذا اقتصرت على الرئيس بري أو حركة أمل، إذ إن الآليات نفسها اعتمدتها قوى سياسية وطائفية متعددة، وأسهمت مجتمعة في إنتاج نموذج السلطة القائم. غير أن مسؤولية الرئيس بري تبدو اليوم أكثر حضوراً بحكم موقعه الدستوري ودوره السياسي، وبحكم ما يُمنح له من هامش واسع في إدارة التوازنات الداخلية.
إن كلفة المواجهة السياسية والمؤسساتية المحكومة بالدستور والقانون، مهما بدت مرتفعة في المدى القصير، تبقى أقل من كلفة إعادة إنتاج الأسباب التي دمرت البلاد. والمواجهة المطلوبة ليست صداماً أهلياً، ولا استهدافاً سياسياً أو طائفياً، بل انتقال من منطق التسويات القائمة على توزيع النفوذ إلى منطق الاحتكام إلى المؤسسات، ومن حماية مواقع القوى السياسية إلى حماية حقوق المواطنين. وهذه المواجهة قد تكون مفيدة حتى للقوى التي تستهدف تغيير ممارساتها، لأنها تتيح لها الانتقال من إدارة النفوذ الطائفي إلى المشاركة في بناء دولة قادرة على حماية المجتمع الذي تدعي تمثيله. لقد أصبحت مؤشرات الإنذار المبكر في لبنان أكثر وضوحاً من أن تحتاج إلى أجهزة متطورة لاكتشافها. فالخطر لم يعد كامناً في ما قد يحدث مستقبلاً، بل في الإصرار على مواصلة السياسات التي نعرف نتائجها، وندفع أثمانها منذ سنوات.
وتقع على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مسؤولية الانتقال من سياسة الاحتواء التي تعيد إنتاج الخطر إلى سياسة المواجهة المؤسسية التي تعالج أسبابه. فالدولة التي تعجز عن منع الأخطار القادمة من الخارج، لا يجوز أن تتخلى طوعاً عن قدرتها على منع الأخطار التي تنتجها ممارسات السلطة في الداخل. والإنذار المبكر الحقيقي لا يتحقق بمجرد معرفة الخطر والتحذير منه، بل يبدأ عندما تمتلك السلطة الإرادة السياسية لتعطيل آليات إنتاجه. أما الاستمرار في احتواء مسببيه ومكافأتهم، فليس حماية للاستقرار، بل إنذار مبكر بكارثة جديدة يجري التحضير لها تحت عنوان تجنب الكارثة.