فرح القيامة
19 Apr 202507:54 AM
فرح القيامة

 

ها هو العيد يُقبل، لا كغيره من الأعياد، بل كعرسٍ سماويّ يوقظ الزمن ويخلعه عن عادته. إنّه "عيد الأعياد وموسم المواسم"، فيه يبزغ النور الذي لا يطفئه ليل فيه تُصافح الأرضُ السماء. فيه تُدفن الأحقادُ في قبر المحبّة. فيه تقوم الأرواح من سباتها مغسولةً بنعمة القيامة.

"ما من فصح دون صفح"، قالها الأب رامي ونّوس، فجاءت كريح عاصفة، تهبّ مرارًا لتقلب في القلبِ الصخرَ تُربة، وتذكّر أن عيد القيامة  يأتيك "بالروزنامة"، بل بارتفاع القلب نحو العُلى، وبانفتاح الروح على نور الغفران. فالفصح عبورٌ من العبودية إلى حرية البنين، والصفح ارتقاءٌ من رماد الكراهية إلى بهاء المحبّة.

من يتأمّل في ليتورجيا الكنيسة الأرثوذكسيّة، لا يبقى مستمعًا على عتبة الصلوات، بل يُجذب إلى عمقها، إلى فكر الآباء القدّيسين الذين سكبوا في ترانيمها عبق السماء، وأودعوا حروفها أنفاس الروح القدس. وكما قال المطران جورج خضر: "هؤلاء الذين خطّت أياديهم الصلوات، كان الروح يحرّك أقلامهم".
الليتورجيا رحلة إلهيّة، تبدأ من خشوع الصوم، وتمتدّ في ظلال الأسبوع العظيم، لتبلغ بهاء القيامة. من يُخلص في هذه المسيرة، لا يبلغ العيد فحسب، بل يُولد فيه الإنسان الجديد، النقيّ، المتّشح بنور لا يغيب. خمسون يومًا من الجهاد الروحيّ تروي العطش، وتُبدّد القحط، وتحوّل جفاف النفس إلى جنّة تنبت طِيبًا وسلامًا.

دعونا لا نستقبل القيامة بزينة القشور والمظاهر، بل بجوهر النعمة، وبقلب صادق يجعل الصفح رداءً له. فالليتورجيا نفسها تدعونا أن "نصفح لمبغضينا عن كل شيء في القيامة"، لأن الصليب وحده علّمنا أن الغفران هو جوهر الحبّ الإلهيّ. على عود الصليب، نطق فم المسيح بالغفران، حين كانت دماؤه تسفك: "يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا ٢٣: ٣٤).

لقد نزل الرب إلى الجحيم، لا كمن يُساق إلى الموت، بل كمن يقتحمه ملكًا، فزلزل أركانه، وكسر أبوابه، وبدّد سلطانه. ظنّ الشيطان أنّه انتصر، إذ رأى السيّد معلّقًا على خشبة، غير دارٍ أنه كان يخطّ صكّ هزيمته الأبديّة. فها هو أشعياء يعلن:
"الجحيم من أسفل ارتعد منك عند قدومك" (أشعياء ١٤: ٩).

فالموت، ذاك العدوّ القديم، جُرّد من سلطانه، والقيامة شقّت طريقها كفجر لا يعرف أفولًا. والقدّيس يوحنا الذهبيّ الفم يعلنها مدوّية: "قام المسيح من بين الأموات، فصار باكورة الراقدين".
إنه الأول، ومن بعده موكب القائمين، الرابضين على رجاء اللقاء.

فلنفرح فرحًا يخلخل الكيان، ويهزّ الوجود؛ فرحًا لا يُشترى، بل يُقتنى بجهاد، ويُعاش بنعمة، ويُترنَّم به مع الملائكة:
"المسيح قام، حقًا قام".