من رومانيا إلى لبنان: لغة القداسة واحدة
04 Oct 202508:40 AM
من رومانيا إلى لبنان: لغة القداسة واحدة
في كنيسة القدّيس جاورجيوس في برمّانا، تعانقت الأصوات فرحًا، وامتدّ صداها حتى رومانيا. ارتفعت الصلوات، بلسان البشر ونقاء الملائكة، احتفاءً بإعلان قداسة الأب صوفيان بوغيو الروماني المعترف، ذاك الذي ترك بصمته الفنية والروحية في كنائس لبنان وسوريا، شاهدًا حيًا على قداسة متجذّرة في الأيقونة والكلمة.

الحدث عظيم، والمناسبة مشبعة بعطر القديسين. ففي السادس عشر من أيلول الماضي، أعلن المجمع المقدّس للكنيسة الأرثوذكسية في رومانيا قداسة الأب صوفيان، الذي زيّن بيده المباركة جداريات وأيقونات كنيسة القدّيس جاورجيوس في برمّانا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب أيقونات وجداريات أخرى في كنائس أنطاكية.

أصوات جوقة أبرشية جبل لبنان، بقيادة الأستاذ جوزف يزبك، حملتنا على أجنحة الترتيل إلى رحاب السماء. ساعة ونصف من الزمن بدت وكأنها خارج الزمان، عرس سماوي تماهى فيه التراب مع النور. صدحت الحناجر بأربعة ألسن: العربية، اليونانية، الرومانية والإنكليزية، فاحتضنتها الأيقونات التي كتبها القدّيس، وكأنها تعانق هذا التمجيد المرفوع من القلب.

شاركت في الأمسية المرنّمة ريبال وهبة، والشماس ماريان الآتي من رومانيا، لتكتمل الحلقة بين الوطنين، ويخفق القلب الأرثوذكسي بنبض واحد. أما حضور المطران سلوان موسي، راعي أبرشية جبل لبنان، فكان بمثابة بركة ختامية على هذا العيد الروحي.

ولد القدّيس صوفيان بوغيو في السابع من تشرين الأول عام 1912 في منطقة بيسارابيا في رومانيا، وتنيّح في الرابع عشر من أيلول 2002. درس اللاهوت في معهد "سيرنيكا"، وأكمل دراسته في بوخارست حيث تعلّم أيضًا فن كتابة الأيقونة المقدسة. عاش حياة صلاة عميقة، ملتحفًا بجملة واحدة ردّدها بلا انقطاع: "يا ربي يسوع المسيح، ارحمني أنا الخاطئ".

تعرض للاضطهاد خلال الحكم السوفياتي، وقضى 16 عامًا في السجن تحت الأعمال الشاقة، حيث حوّل زنزانته إلى هيكل صغير، يعزّي فيه رفاقه بكلمة الإنجيل وينضح عليهم سلامًا واستسلامًا مستمدًّا من الله وحده.

تحوّلت هذه الأمسية، بحضور سفير رومانيا في لبنان، من مجرد احتفال إلى صلاة مجتمعة، مزجت الترتيل بالخشوع، وحملت معنى العبارة اللاهوتية العميقة: "من رتّل صلّى مرّتين". فالترنيم، حين ينبع من القلب، يلامس السماء ويصل إلى الله أعمق من الكلام، كما علّمنا بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس: "رنّموا وسبّحوا للرب من أعماق قلوبكم".

غادرنا كنيسة القدّيس جاورجيوس في برمّانا وكلٌّ منا يحمل زوّادة روحية ثمينة، ورسالة مضيئة: أن نكون نحن، في عيشنا اليومي، أيقونات حيّة تعكس نور المسيح الذي لا يغيب، ونحمل هذا النور لمن حولنا، فنصير على صورته ومثاله، كما خُلقنا منذ البدء.