قطار السلام مع اسرائيل والضمانة الأميركية
11 Apr 202609:31 AM
قطار السلام مع اسرائيل والضمانة الأميركية
في لحظة إقليمية دقيقة، يبرز موقف الدولة اللبنانية بوصفه تعبيراً عن مقاربة واقعية تُقدّم أولوية الاستقرار على حساب الشعارات، لا سيما في ما يتصل بالمسار التفاوضي مع إسرائيل.
فالحاجة إلى راعٍ دولي موثوق لم تعد موضع نقاش نظري، بل غدت ضرورة تفرضها اختلالات ميزان القوى وتعقيدات البيئة الإقليمية.

لبنان، المثقل بأزماته البنيوية وتشابك ساحته مع صراعات المنطقة، يفتقر إلى القدرة على إدارة مفاوضات من هذا النوع خارج مظلة دولية قادرة على فرض التوازن وتأمين ضمانات التنفيذ. من هنا، يبرز خيار التعويل على الولايات المتحدة كراعٍ رئيسي، نظراً إلى ما تمتلكه من قدرة فعلية على التأثير في القرار الإسرائيلي، فضلاً عن أدوات الضغط والتحفيز التي تتيح تحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للاستمرار.
تجارب المنطقة تؤكد أن واشنطن لم تقتصر أدوارها على الوساطة، بل اضطلعت بوظيفة الضامن، القادر على إدارة التوازن بين متطلبات الأمن والاستقرار. وهذه الوظيفة تحديداً هي ما يحتاجه لبنان: جهة قادرة على نقل أي تفاهم من حيّز التوافق السياسي إلى إطار الالتزام المستدام، بعيداً عن هشاشة الترتيبات المؤقتة.
وإذا كان هذا التوجه يثير تباينات داخلية، فإن الوقائع الإقليمية تشير إلى مسار آخذ في التشكل، حيث انطلق ما يمكن توصيفه بـ“قطار السلام” في أكثر من اتجاه عربي، وباتت إعادة ترتيب العلاقات جزءاً من دينامية قائمة لا مجرد احتمال.
 في هذا السياق، يبدو أن الدولة اللبنانية قد حسمت خيارها بعدم البقاء خارج هذا المسار، بل السعي إلى الانخراط فيه، مع إدراك واضح لصعوبة الطريق وكلفة التوازنات المترتبة عليه.

وتتجلى رمزية هذا التحول في فكرة “قطار السلام والضمانة الأميركية: رهانات الدولة اللبنانية في لحظة إقليمية مفصلية”، حيث يصبح المسار الإقليمي الجديد إطاراً عاماً يُعاد ضمنه رسم قواعد العلاقات والتحالفات، لا سيما في ظل تزايد الأدوار الدولية في إدارة النزاعات وتسويتها.
ويمكن تشبيه هذه المرحلة، من حيث طبيعة التحولات وحدود الخيارات، بتلك التي أعقبت اتفاق الطائف، حين فُرضت على لبنان تسوية كبرى برعاية دولية وإقليمية أنهت الحرب، لكنها في المقابل أعادت صياغة التوازنات الداخلية ضمن سقف خارجي واضح. يومها، لم يكن النقاش يدور حول مبدأ التسوية بقدر ما كان يتمحور حول كيفية التكيّف معها وإدارتها بأقل كلفة ممكنة.
اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة: تسويات تُطبخ خارجياً، ومسارات تُرسم على مستوى الإقليم، فيما يُطلب من لبنان أن يجد موقعه ضمنها. وكما في مرحلة ما بعد الطائف، فإن هامش القرار الداخلي يبقى قائماً، لكنه محكوماً بإطار دولي أوسع، يحدد الاتجاه العام ويضع حدود الحركة.
ويتعزز هذا المنطق مع ما يُطرح حول الانفتاح الإقليمي على مسارات تفاوضية أوسع، إذ إن ذهاب إيران إلى التفاوض يطرح معادلة جديدة في المنطقة، ما يفتح الباب أمام سؤال بديهي: إذا كانت أطراف محورية في الصراع الإقليمي تتجه نحو التسويات، فلماذا يُستثنى لبنان من هذا المسار؟ ويأتي هذا الطرح في سياق الرد على الاعتراضات الداخلية، ولا سيما تلك التي يعبّر عنها حزب الله.
 إنّ هذا المسار، على تعقيداته السياسية والأمنية، أصبح واقعاً موضوعياً يصعب تعطيله. والتحدي لا يكمن في مبدأ الانخراط بحد ذاته، بل في كيفية إدارته، عبر مقاربة لبنانية متماسكة، تحدد الأولويات، وتستند إلى ضمانات دولية صلبة، وتؤمّن الحد الأدنى من التوافق الداخلي الكفيل بتحصين أي اتفاق من الاهتزاز.
ان هذا التوجه يعكس إدراكاً متقدماً بأن الاستقرار في لبنان لم يعد نتاجاً لعوامل داخلية صِرفة، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين الإرادات الإقليمية والدولية.

 وبين مقتضيات الواقعية السياسية وضغوط الجغرافيا، يتجه لبنان إلى التموضع ضمن هذا المسار، مستنداً إلى رعاية دولية قادرة على موازنة المخاطر بالفرص، شرط أن تُدار هذه المرحلة بدقة تحافظ على المصالح الوطنية العليا وتحدّ من كلفة التحولات الجارية.