في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يدور الجدل في لبنان حول مبدأ التفاوض مع إسرائيل بقدر ما يتمحور حول سؤال أكثر جوهرية: من يملك قرار التفاوض؟
بين اندفاعة رسمية يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وتريّث محسوب لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط يعود النقاش إلى أساسه" هل استعادت الدولة اللبنانية قرارها السيادي، أم لا تزال تديره عبر توازنات موروثة؟
في الظاهر، هناك مسار تفاوضي يُطبخ بهدوء، مدفوعاً بضغوط دولية ورغبة في تثبيت الاستقرار جنوباً. لكن في العمق، المسألة تتجاوز التفاوض إلى محاولة إعادة تثبيت حصرية قرار السلم والحرب بيد الدولة، في مواجهة واقع تراكمي جعل هذا القرار موزعاً بين المؤسسات الرسمية وشبكات النفوذ السياسي.
في هذا السياق، تدخل السعودية على خط التهدئة الداخلية، من بوابة إعادة تثبيت مرجعية الطائف. فالمطلوب ليس إعادة التفاوض على الطائف، بل إعادة الاعتبار له من خلال استعادة روحه السيادية، وتطبيق إصلاحاته المؤجلة، وتحويله من تسوية أنهت الحرب إلى قاعدة لبناء الدولة.
وجوهر هذا الاتفاق لا يكمن فقط في توزيع الصلاحيات، بل في مبدأ سيادي حاسم: حصرية السلاح بيد الدولة. فمن دون احتكار الدولة لأدوات القوة، يفقد أي قرار سيادي وفي مقدّمه التفاوض معناه الفعلي، ويتحوّل إلى إدارة ظرفية لا أكثر.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن فصل تريّث بري وجنبلاط عن موقعهما الذي ترسّخ منذ الطائف، حيث لعبا دوراً محورياً في إدارة التوازنات الداخلية وتدوير الزوايا. ومع الوقت، نشأت بنية نفوذ غير رسمية يمكن توصيفها بـ“الدولة العميقة”، تتقاطع مع المؤسسات وتؤثر في قراراتها، ما جعل القرار في لبنان نتاج تفاعل بين الدولة وهذه الشبكة، لا نتاج المؤسسات وحدها.
اليوم، يُطرح مسار مختلف. فاستعادة الدولة لقرارها الكامل لا تعني فقط تفعيل المؤسسات، بل إعادة رسم موازين القوة داخل النظام. وهذا التحوّل، إذا ما مضى إلى نهايته، سيحدّ بطبيعته من دور القوى التي أدارت التوازنات تاريخياً. من هنا، يُقرأ التريّث لا كرفض للتفاوض، بل كحذر من انتقال بنيوي ينقل مركز القرار من إدارة النفوذ إلى الدولة.
في المقابل، تندفع الدولة عبر عون وسلام نحو تثبيت هذا التحول، في لحظة إقليمية لا تسمح بكثير من المراوحة. غير أن هذا المسار يصطدم بواقع داخلي ما زال محكوماً بمنطق التوازن لا الحسم، وبشبكة مصالح متداخلة يصعب تجاوزها دفعة واحدة في بلد تتقاطع فيه الهويات والمصالح، قد لا يكون الطائف الحل الكامل، لكنه يبقى الشرط الضروري لأي حل. وما دونه ليس إصلاحاً، بل مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات.
بين دولة تستعيد قرارها بالكامل، ونظام يستمر بإدارته عبر التوازنات، لا يُحسم فقط مصير التفاوض… بل شكل الدولة نفسها؟
بين اندفاعة رسمية يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وتريّث محسوب لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط يعود النقاش إلى أساسه" هل استعادت الدولة اللبنانية قرارها السيادي، أم لا تزال تديره عبر توازنات موروثة؟
في الظاهر، هناك مسار تفاوضي يُطبخ بهدوء، مدفوعاً بضغوط دولية ورغبة في تثبيت الاستقرار جنوباً. لكن في العمق، المسألة تتجاوز التفاوض إلى محاولة إعادة تثبيت حصرية قرار السلم والحرب بيد الدولة، في مواجهة واقع تراكمي جعل هذا القرار موزعاً بين المؤسسات الرسمية وشبكات النفوذ السياسي.
في هذا السياق، تدخل السعودية على خط التهدئة الداخلية، من بوابة إعادة تثبيت مرجعية الطائف. فالمطلوب ليس إعادة التفاوض على الطائف، بل إعادة الاعتبار له من خلال استعادة روحه السيادية، وتطبيق إصلاحاته المؤجلة، وتحويله من تسوية أنهت الحرب إلى قاعدة لبناء الدولة.
وجوهر هذا الاتفاق لا يكمن فقط في توزيع الصلاحيات، بل في مبدأ سيادي حاسم: حصرية السلاح بيد الدولة. فمن دون احتكار الدولة لأدوات القوة، يفقد أي قرار سيادي وفي مقدّمه التفاوض معناه الفعلي، ويتحوّل إلى إدارة ظرفية لا أكثر.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن فصل تريّث بري وجنبلاط عن موقعهما الذي ترسّخ منذ الطائف، حيث لعبا دوراً محورياً في إدارة التوازنات الداخلية وتدوير الزوايا. ومع الوقت، نشأت بنية نفوذ غير رسمية يمكن توصيفها بـ“الدولة العميقة”، تتقاطع مع المؤسسات وتؤثر في قراراتها، ما جعل القرار في لبنان نتاج تفاعل بين الدولة وهذه الشبكة، لا نتاج المؤسسات وحدها.
اليوم، يُطرح مسار مختلف. فاستعادة الدولة لقرارها الكامل لا تعني فقط تفعيل المؤسسات، بل إعادة رسم موازين القوة داخل النظام. وهذا التحوّل، إذا ما مضى إلى نهايته، سيحدّ بطبيعته من دور القوى التي أدارت التوازنات تاريخياً. من هنا، يُقرأ التريّث لا كرفض للتفاوض، بل كحذر من انتقال بنيوي ينقل مركز القرار من إدارة النفوذ إلى الدولة.
في المقابل، تندفع الدولة عبر عون وسلام نحو تثبيت هذا التحول، في لحظة إقليمية لا تسمح بكثير من المراوحة. غير أن هذا المسار يصطدم بواقع داخلي ما زال محكوماً بمنطق التوازن لا الحسم، وبشبكة مصالح متداخلة يصعب تجاوزها دفعة واحدة في بلد تتقاطع فيه الهويات والمصالح، قد لا يكون الطائف الحل الكامل، لكنه يبقى الشرط الضروري لأي حل. وما دونه ليس إصلاحاً، بل مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات.
بين دولة تستعيد قرارها بالكامل، ونظام يستمر بإدارته عبر التوازنات، لا يُحسم فقط مصير التفاوض… بل شكل الدولة نفسها؟