هل يقرع حزب الله باب بعبدا؟
07 Jun 202611:48 AM
هل يقرع حزب الله باب بعبدا؟
سعد شعنين

سعد شعنين

 

في السياسة اللبنانية، غالباً ما كانت القنوات الخلفية والوسطاء يؤدون دوراً أساسياً في إدارة الأزمات وتخفيف التوتر بين القوى السياسية. إلا أن هذه القنوات تفقد قيمتها عندما تصبح موضع شك أو عندما يعجز أصحابها عن نقل المواقف بدقة وأمانة. وعندها يفرض سؤال نفسه: هل آن الأوان لأن يبادر حزب الله إلى التواصل المباشر مع رئيس الجمهورية؟

إذا كانت العلاقة بين الحزب والرئيس قد دخلت مرحلة من البرودة، وإذا كان الحزب لم يعد يثق بالآليات التي كانت تؤمن التواصل بينهما، فإن المنطق السياسي يقود إلى تجاوز الوسطاء والذهاب مباشرة إلى رأس الدولة. فاللقاء المباشر يختصر التأويلات، ويمنع تضارب الرسائل، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية.
لكن أهمية هذا التواصل لا تكمن فقط في معالجة سوء الفهم، بل في هوية الطرف الذي يتم التواصل معه. فرئيس الجمهورية ليس زعيماً لفريق سياسي ولا ممثلاً لمحور داخلي أو خارجي، بل هو المرجعية الوطنية الجامعة التي أناط بها الدستور مسؤولية حماية وحدة البلاد وسيادتها واستقرار مؤسساتها. ومن موقعه، لا يفترض أن تكون له غاية إلا مصلحة لبنان واللبنانيين.

ولهذا، فإن أي حوار مباشر بين حزب الله ورئيس الجمهورية يجب أن ينطلق من قاعدة واضحة: مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. فلبنان يقف أمام تحديات غير مسبوقة، من الضغوط الأمنية إلى الأزمات الاقتصادية، ولم يعد يحتمل مزيداً من سوء إدارة الخلافات أو الارتهان لقنوات غير رسمية قد تزيد الالتباس بدل أن تبدده.

إن مصلحة حزب الله نفسه تقتضي أن يراهن على المرجعية الوطنية للدولة، وأن يتكل على وطنية رئيس الجمهورية في حماية لبنان ومنع انزلاقه إلى مواجهات جديدة. فالرئيس، بحكم موقعه، ينظر إلى أمن جميع اللبنانيين وإلى مستقبل الدولة، وليس إلى مصالح فئة دون أخرى. وإذا كان الحزب يعتبر أن حماية لبنان أولوية، فمن الطبيعي أن يجعل الحوار مع رئيس الدولة المدخل الأول لأي معالجة سياسية أو أمنية.
كما أن المرحلة الإقليمية تشهد تحولات عميقة، حيث تتجه دول المنطقة إلى إعادة ترتيب أولوياتها على أساس الاستقرار والتنمية، فيما يدفع لبنان أثمان أي اهتزاز أمني أو سياسي بصورة مضاعفة. لذلك، فإن تعزيز العلاقة مع المرجعية الدستورية الأولى يشكل رسالة بأن القرار الوطني يجب أن يُصاغ داخل مؤسسات الدولة، لا عبر الوسطاء ولا تحت تأثير الحسابات الخارجية.

السياسة ليست اختباراً لمن ينتصر في القطيعة، بل لمن ينجح في حماية وطنه. وإذا كانت قنوات التواصل القديمة قد سقطت أو فقدت الثقة، فإن باب بعبدا يبقى الباب الطبيعي للحوار، لأن رئيس الجمهورية هو الضامن لوحدة البلاد والمؤتمن على المصلحة الوطنية العليا.
وفي لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، قد تكون المبادرة إلى التواصل المباشر مع رئيس الجمهورية أكثر من مجرد خطوة سياسية؛ قد تكون اعترافاً بأن الدولة هي الملاذ الأخير للجميع، وأن حماية لبنان لا تتحقق إلا عندما تصبح مؤسساته الدستورية المرجع الأول والأخير في إدارة القضايا المصيرية.