لبنان ليس قلب إيران… بل رئة شرق المتوسط
12 Jun 202612:07 PM
لبنان ليس قلب إيران… بل رئة شرق المتوسط
سعد شعنين

سعد شعنين

لم تكن الصورة التي نُشرت عبر الصفحة الرسمية للسفارة الإيرانية في بيروت، والتي وضعت لبنان في قلب خريطة رمزية مرتبطة بإيران، مجرد مادة إعلامية عابرة، بل حملت دلالات سياسية تعكس رؤية تعتبر لبنان جزءًا من النفوذ الإيراني في المنطقة. غير أن التطورات التي تشهدها المنطقة اليوم تشير إلى أن هذا المفهوم يواجه اختبارًا حقيقيًا مع إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه ودوره الاقتصادي والثقافي، ليس قلبًا لأي دولة أخرى، بل هو رئة شرق المتوسط؛ دولة تطل على أحد أهم البحار الاستراتيجية في العالم، وتشكل نقطة التقاء بين المشرق العربي والأسواق الأوروبية، وبين طرق التجارة والطاقة والمصالح الدولية.

منذ سنوات، اعتمدت إيران على شبكة من الحلفاء في المنطقة لتعزيز نفوذها، وكان حزب الله يشكل أحد أبرز عناصر هذه الاستراتيجية داخل لبنان. ومن خلال هذا النفوذ، أصبح لبنان جزءًا من معادلات الصراع الإقليمي، بحيث لم تعد أي مواجهة بين إسرائيل وإيران أو حلفائها بعيدة عن الأراضي اللبنانية.

إلا أن الحرب الأخيرة كشفت أن الصراع لم يعد يقتصر على تبادل الضربات العسكرية، بل أصبح يدور حول شكل الشرق الأوسط الذي سيولد بعد انتهائها. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط على الحدود، وإنما على النفوذ السياسي والأمني في المنطقة، وعلى من ستكون له الكلمة في شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، يبدو أن المجتمع الدولي وعددًا من القوى الإقليمية يعملون على بناء ترتيبات جديدة هدفها منع قيام منظومة نفوذ تمتد من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط عبر الساحات العربية. ومن هنا تأتي أهمية لبنان، لأنه يمثل الحلقة الأخيرة على المتوسط، والدولة التي يمكن أن تحدد وجهة التوازنات في هذه المنطقة الحساسة.

ولذلك فإن وضع لبنان في قلب خريطة إيرانية يحمل رسالة سياسية، لكنه يصطدم بواقع جيوسياسي مختلف. فلبنان ليس منفذًا بحريًا لدولة أخرى، ولا يمكن اختزال دوره في كونه جزءًا من مشروع إقليمي. إنه دولة لها كيانها ومصالحها، وقيمته الاستراتيجية تنبع من موقعه المستقل على المتوسط، لا من ارتباطه بأي محور.

كما أن التطورات الأخيرة، وما يرافقها من حديث عن ترتيبات أمنية ومفاوضات وتفاهمات جديدة، تؤكد أن الاهتمام الدولي يتركز على تثبيت لبنان ضمن منظومة استقرار إقليمية، لا على تكريس دوره كساحة مواجهة دائمة. ولهذا فإن مستقبل لبنان سيكون مرتبطًا بقدرته على استعادة قراره الوطني وتعزيز مؤسسات الدولة، بحيث تكون هي المرجعية الوحيدة في قضايا الحرب والسلم والعلاقات الخارجية.

إن الرسالة التي يفرضها الواقع اليوم واضحة: لبنان ليس قلب إيران، بل رئة شرق المتوسط. فالدول قد تمتلك نفوذًا سياسيًا أو تحالفات، لكن الجغرافيا والتاريخ والدور الحضاري لا يمكن إعادة رسمها بمنشور أو بصورة رمزية. ومع دخول المنطقة مرحلة إعادة تشكيل واسعة، يبدو أن الصراع الحقيقي لم يعد على من يرفع رايته فوق لبنان، بل على ما إذا كان لبنان سيعود دولة متوسطية ذات قرار سيادي مستقل، أم سيبقى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين.