في مَثَل السامري الصالح، يكشف لنا السيد المسيح عن محبّةٍ تبادر إلى العطاء دون أن تنتظر طلبًا، إذ رآنا محتاجين فاقترب واعتنى بنا. أمّا في مَثَل صديق نصف الليل، الذي أعطاه الربّ جوابًا عن طلب تلاميذه أن يعلّمهم الصلاة، فيكشف لنا وجهًا آخر من هذه المحبّة: صديقٌ نلجأ إليه في ضيقنا، فنقرع بابه ونطلب، واثقين بأنّ حاجتنا ليست غريبة عن قلبه.
فالصداقة، كالمحبّة، لا تُقاس بالكلام، بل بما تكشفه المواقف. في الأزمات تُختبَر أصالة الأصدقاء، وفي الشدائد تتمايز المودّة الصادقة من العلاقات التي لا تقوم إلا على المنفعة. فثمّة مَن يتّخذ من الصداقة بابًا لمصالحه، ويحوّل طيبة الآخر وكرمه وحياءه إلى فرصة للأخذ، حتى تستنزف العلاقة روحها وتفقد معناها.
وما أصعب أن نبلغ يومًا نضطرّ فيه إلى وضع حدّ لصداقة ظننّاها صادقة وشفّافة! لكنّ الصداقة الحقيقية لا تقوم على الأخذ وحده، بل على المشاركة والتكافؤ، ولا تجعل أحد الطرفين دائم العطاء والآخر دائم الانتفاع. فالصديق ليس مَن يستنزفك باسم المحبّة، بل مَن يعينك على أن تصبح أفضل؛ يرفعك حين تتعثّر، ويصون قلبك حين تضعف، ويترك في حياتك أثرًا من السلام لا ندبة من الخيبة.
الصديق الأمين وردةٌ تفوح بعطرها دون أن تجرحك أشواكها، لكنّ هذه الوردة أيضًا تحتاج إلى رعاية متبادلة كي لا تذبل. هو ملح الحياة، ودواء الوحدة، وذاك الذي يقترب حين يبتعد الآخرون، ويذكّرك بنفسك حين تضيع منك ملامحها. إنّه رفيقٌ لا يكتفي بأن يرى ما أنت عليه، بل يساعدك على اكتشاف ما تستطيع أن تصير إليه.
ويعلّمنا الكتاب المقدّس أنّ الصداقة الأمينة نعمةٌ تُطلَب بحكمة، وتُستقبل بتمييز، وتُصان بالوفاء: «الصَّدِيقُ الأَمِينُ دَوَاءُ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ يَتَّقُونَ الرَّبَّ يَجِدُونَهُ» (يشوع بن سيراخ ٦: ١٦). فمَن أراد صديقًا أمينًا، فليتعلّم هو أيضًا أمانة الصداقة، وليطلب أن تكون حياته متجذّرة في الله، لأنّ القلب الذي يتعلّم الوفاء من الله يصبح أقدر على تمييز الوفاء في الآخرين.
لذلك، لا تتسرّع في اختيار أصدقائك، ولا تبحث عن كثرتهم بقدر ما تبحث عن صدقهم. عِشْ مع الله، وفي عمق كلمته، ودعه ينير بصيرتك لتعرف مَن يشاركك الطريق بصدق. ولا تخشَ وحدةً مؤقّتة تحفظ لك سلامك، فغياب الصديق خيرٌ من حضورٍ يستنزفك، والصداقة المزيّفة أشدّ إيلامًا من الوحدة.
وقبل أن تبحث عن صديقٍ تتّكئ عليه، تعلّم أن تتّكئ على الله، الصديق الذي لا يخون، واستأنس بشفاعة قدّيسيه ورفقتهم. عندئذٍ، لن يكون همّك أن تجد مَن يملأ فراغك فحسب، بل مَن يعينك على السير في طريق الحقّ والخير.
فالصديق الأمين ليس مَن يكون إلى جانبك حين يحتاج إليك، بل مَن يبقى إلى جانبك لأنّه يحبّك ولأنّ قلبه اختار أن يكون وفيًّا.
والسبح لله دائمًا.