رصاصة حزب الله الأخيرة
19 Oct 202608:09 AM
رصاصة حزب الله الأخيرة
بيرلا حيدر

بيرلا حيدر

بيرلا حيدر - مجتمعنا

لطالما أقنع حزب الله اللبنانيين بأن سلاحه يحميهم من إسرائيل. واليوم، يبدو أنه يريد إقناعهم بأن حمايتهم من إسرائيل تقتضي حماية سلاحه من الدولة. هكذا، لم يعد المطلوب من اللبنانيين أن يخافوا على بلدهم من أعدائه، بل أن يخافوا على بلدهم كلما حاول أن يستعيد شيئاً من سيادته. 

في الأيام الأخيرة، بدا وكأن اللبنانيين يشاهدون عرضاً تجريبياً لما قد يحدث إذا قررت الدولة التعامل مع حزب الله كأي جهة أخرى تخضع للقانون. تُصادر شحنة متفجرات مهرّبة، فيعترف الحزب بملكيتها و يطالب باستعادتها. تتوسع التحقيقات لتشمل اتصالات مرتبطة بالموقوفين، بينها هاتف زوجة أحدهم، فتتحول الإجراءات القضائية إلى قضية سياسية تصوّب على الحزب. تتداول وسائل الإعلام أخباراً عن استنابات بحق مسؤولين في جهاز الارتباط و التنسيق التابع للحزب، فيسارع حزب الله إلى نفيها ومهاجمة مروّجيها. 

وفي غاليري سمعان، تجمّع شبان على دراجات نارية وحاولوا منع قوى الأمن من مداهمة مستودع أدوية غير صالحة للاستخدام. حتى الدواء الفاسد، على ما يبدو، يحتاج إلى إذن سياسي من الحزب قبل مصادرته.

وبالتوازي مع هذه التطورات، بدأ يتصاعد في أوساط مناصري حزب الله وبعض أبواقه الإعلامية خطاب يدعو الحزب إلى الضرب بيد من حديد في الداخل، انطلاقاً من سردية باتت تتكرر: الجميع يتكالب على الحزب، وما يجري ليس سوى "بروفة"لما يُحضَّر ضده وضد بيئته.

وفي هذا المناخ، لم يتأخر استحضار السابع من أيار. فعلي برو، أحد أبواق حزب الله الأكثر فجاجةً وابتذالاً في خطابها، نشر عبر حسابه على إنستغرام عبارة "7 أيار هيك بلشت"، وأتبعها بجملة أكثر وضوحاً : "السلاح وُجد للدفاع عن السلاح".
لم يعد السلاح، وفق هذا المنطق، وسيلة للدفاع عن لبنان، بل أصبح سبباً قائماً بذاته لاستخدام المزيد من السلاح. أما السابع من أيار، فلم يُستحضر هنا بوصفه ذكرى يُخشى تكرارها، بل سابقةً يُلوَّح بإمكانية استعادتها.

لم يكن حزب الله يوماً بحاجة إلى موافقة الدولة ليفعل ما يريد. الجديد اليوم أنّ الدولة، حين تجرّأت على الاقتراب من أطراف سلطته، وجدت نفسها أمام تحذيرات من تداعيات قد تأخذ البلاد إلى المجهول.
فبعد سنوات من تقديم سلاحه بوصفه ضمانةً لحماية لبنان من إسرائيل، بات مجرد اقتراب الدولة من هذا السلاح-بكافة انواعه و اشكاله- كافياً لاستحضار شبح الحرب في الداخل. 
لم تُصادر الدولة ترسانة الحزب، ولم تُنهِ وجوده العسكري، ولم تنتزع منه قرار الحرب والسلم. كل ما فعلته أنها ضبطت شحنة متفجرات، ووسّعت تحقيقاً، وحاولت تنفيذ مداهمة.
ومع ذلك، بدا وكأن مجرد لمس أطراف السلطة التي يحتكرها الحزب يستدعي التلويح بتفجير البلاد بأكملها.

وهذه، بطبيعة الحال، ليست المرة الأولى التي يوضع فيها اللبنانيون أمام خيار كهذا.

ففي السابع من أيار 2008، تحولت قرارات حكومية تتعلق بشبكة اتصالات حزب الله وأمن المطار إلى مواجهة مسلحة في الداخل. لم تعد المسألة يومها خلافاً سياسياً حول صلاحيات الدولة، بل أصبحت اختباراً لما يمكن أن يحدث عندما تقرر الدولة المساس بما يعتبره الحزب خارج نطاق سلطتها.
منذ ذلك اليوم، تعلّم اللبنانيون درساً لم يختاروا تعلّمه : بعض القرارات يمكن مناقشتها، وبعضها الآخر يُجاب عنه بالسلاح.

اليوم، وبعد الحروب والخسائر والدمار الذي أصاب لبنان وبيئة الحزب نفسها، يعود هذا المنطق إلى الواجهة. يريد الحزب الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم، وبسلاحه وطرق إمداده، وبحقه في رفض القرارات الحكومية، ثم يطالب الدولة بضمان الاستقرار الذي يجعل هذه الاستثناءات ممكنة.

يريد أن يقرر متى تبدأ الحرب، فيما يتحمل اللبنانيون نتائجها. وأن يحدد شروط نهايتها، فيما ينتظر النازحون العودة إلى منازلهم. وأن تبقى ترسانته خارج المساءلة، فيما يخضع المواطن العادي للقانون.
باختصار، يريد من الدولة أن تتحمل مسؤولية كل ما يحدث، من دون أن تمتلك حق القرار في شيء.

لكن الخطورة اليوم لا تكمن فقط في احتمال تكرار السابع من أيار، بل في أن التلويح به قد يتحول إلى آخر وسيلة ضغط متاحة للحزب. فحين تتراجع القدرة على فرض الشروط في الخارج، يصبح الداخل ساحة أسهل لإثبات النفوذ. وحين يصبح تطبيق القانون تهديداً سياسياً، يغدو تخويف المجتمع وسيلة للدفاع عن امتيازات السلاح.

غير أن هذا الحساب قد يكون أخطر على الحزب نفسه مما يتصور.
فبيئته ليست مجموعة دراجات نارية أو جمهوراً يهتف في الشوارع. هي عائلات خسرت أبناءها ومنازلها وأعمالها، وناس تبحث عن الأمان وإعادة الإعمار وفرصة لحياة طبيعية. وليس من البديهي أن تكون مستعدة لدفع ثمن مواجهة داخلية جديدة، دفاعاً عن شحنة متفجرات أو عن حق منع مداهمة مستودع أدوي غير شرعية. 
أخطر ما يمكن أن يفعله الحزب ببيئته هو أن يقنعها بأن أمنها مرهون ببقاء اللبنانيين الآخرين خائفين منها.

وهنا تكمن المفارقة : قد ينجح التهديد في تأخير قرار قضائي أو إحراج حكومة، لكنه لا يستطيع إلى الأبد إعادة بناء قوة سياسية فقدت جزءاً كبيراً من مبرراتها. فالخوف قادر على إسكات الاعتراض، لكنه عاجز عن صناعة الشرعية.
وربما يكون الحزب، في محاولته الأخيرة لفرض شروطه، أمام أخطر سوء تقدير في تاريخه : أن يعتبر المجتمع اللبناني كما كان في 2008، وأن يظن أن قدرته على إخافته ما زالت تعادل قدرته على حكمه.
فالرصاصة الأخيرة لا تكون دائماً تلك التي تُطلق على الخصم. أحياناً تكون تلك التي يضعها صاحب السلاح في فم شرعيته، ويضغط على الزناد.