حزب الله والهروب إلى الأمام
19 Oct 202610:00 AM

حزب الله والهروب إلى الأمام

سعد شعنين

سعد شعنين

يجد حزب الله نفسه أمام ضغوط متزايدة، خارجية وداخلية، تتشابك فيها المطالب الدولية بحصر السلاح بيد الدولة مع تداعيات الحرب والخسائر التي لحقت بلبنان، والأسئلة المتصاعدة حول قرار الحرب والسلم ومستقبل دور الحزب. وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال مقلق:" هل يلجأ مجدداً إلى فتح معركة مع إسرائيل، هرباً إلى الأمام ومحاولةً لقلب الأولويات قبل أن تتفاقم أزمته الداخلية؟"

تزداد حساسية هذا السؤال في ظل الضغوط الرامية إلى تثبيت سلطة الدولة اللبنانية، والمفاوضات المتعلقة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب، بالتوازي مع المطالبة بإنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن المؤسسات الشرعية. ولم تعد المسألة مجرد خلاف سياسي حول دور حزب الله، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة وقدرتها على احتكار قرار الحرب والسلم، بعدما دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة مواجهات لم يكن لهم القرار النهائي فيها.

داخلياً، يواجه الحزب أسئلة محرجة تتعلق بتداعيات الحرب، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتعويض العائلات التي خسرت منازلها ومصادر رزقها، فضلاً عن الجدل حول سلاحه وطبيعة علاقته بالدولة. ومع تصاعد هذه الضغوط، يصبح التصعيد العسكري أحد السيناريوهات التي تستحق المتابعة، لا باعتباره قراراً محسوماً، بل باعتباره خياراً قد يُستخدم لإعادة ترتيب المشهد السياسي وتخفيف وطأة الاستحقاقات الداخلية.

لكن حسابات الحزب لا تقتصر على الساحة اللبنانية. فارتباطه الاستراتيجي بإيران يجعل أي مواجهة محتملة تتجاوز حدود الصراع مع إسرائيل، لتلامس أيضاً موقعه ضمن الاستراتيجية الإقليمية لطهران. وفي هذا السياق، قد يشكل فتح جبهة جديدة رسالة إلى القيادة الإيرانية بأن حزب الله، رغم الخسائر والضغوط التي يتعرض لها، لا يزال قادراً على التحرك عسكرياً، وعلى أداء الدور الذي أُنيط به ضمن منظومة النفوذ الإيرانية. فإثبات القدرة على التصعيد قد يصبح، في هذه القراءة، محاولة لتأكيد استمرار أهميته الاستراتيجية، في وقت تتعرض فيه شبكة حلفاء إيران لضغوط وتحديات متزايدة.

ومن هنا، قد تتقاطع الحسابات الداخلية مع الاعتبارات الإيرانية"فالحرب يمكن أن تعيد تعبئة البيئة المؤيدة للحزب، وتضع ملف السلاح والمساءلة جانباً، وفي الوقت نفسه تؤكد لطهران أن ورقتها اللبنانية لم تفقد قدرتها على التأثير في المعادلات الإقليمية."

المشكلة أن الحزب قد يبالغ في تقدير قدرته على التحكم بنتائج التصعيد. فإسرائيل تملك حساباتها وأهدافها، والتوازنات الإقليمية تبدلت، فيما لم يعد لبنان قادراً على تحمل حرب أخرى تعيد تدمير ما تبقى من بنيته الاقتصادية والاجتماعية. وأي مواجهة جديدة قد توسع دائرة الخسائر، وتزيد الضغوط على الحزب بدلاً من أن تخرجه من أزمته، خصوصاً أن المجتمع اللبناني بات أكثر إلحاحاً في مطالبته بمعرفة من يقرر مصيره ومن يتحمل مسؤولية النتائج.

في المقابل، لا تستطيع الدولة اللبنانية مواجهة هذه المرحلة بالاكتفاء بالمواقف والقرارات. فهي مطالبة بتعزيز قدرات الجيش، ومواصلة الجهود الدبلوماسية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتأمين الانسحاب، والعمل على تثبيت سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية. فحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة ليس تنازلاً عن حقوق لبنان، بل شرط لحمايتها ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

في المحصلة، قد يشكل التصعيد بالنسبة إلى حزب الله محاولة للهروب إلى الأمام داخلياً، ورسالة إلى إيران بأنه لا يزال قادراً على أداء دور مؤثر في معادلات المنطقة. لكن فتح جبهة جديدة لن يلغي الأسئلة المتعلقة بالسلاح والسيادة ومسؤولية القرارات المصيرية، كما أن إثبات الولاء الاستراتيجي لطهران لا يعفي الحزب من مسؤولياته تجاه اللبنانيين.

فبين الرغبة في تخفيف الضغوط الداخلية والحاجة إلى تأكيد موقعه في الاستراتيجية الإيرانية، يبقى السؤال: هل يختار حزب الله التكيف مع واقع تتقدم فيه الدولة اللبنانية لفرض سلطتها، أم يغامر بمواجهة جديدة ليؤكد أنه لا يزال رقماً صعباً في الحسابات الإقليمية؟

لبنان لا يحتاج إلى حرب أخرى لتأجيل أزماته أو لإثبات أوراق قوة أي محور. ما يحتاج إليه هو دولة تملك قرارها وتحمي مواطنيها، فلا يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة حسابات لا يشاركون في اتخاذها.