متفجّرات ضهر البيدر... هل يكشف الادّعاء الحقيقة؟
02 Nov 202606:41 AM
متفجّرات ضهر البيدر... هل يكشف الادّعاء الحقيقة؟
دخل ملف متفجرات «ضهر البيدر» مرحلة قضائية جديدة ومفصلية مع صدور قرار مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، بالادّعاء على 13 شخصاً. ينقل هذا القرار القضية رسمياً من دائرة التحريات والمحاضر الأمنية الأولية إلى مسار الملاحقة القضائية والتحقيق الاستنطاقي، لكنه يفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً من التساؤلات حول حدود التحقيق، وطبيعة الأدلة المجمعة، ومدى استعداد المؤسسات المعنية للذهاب بالملف إلى نهايته بعيداً عن الحسابات السياسية والتوازنات المعقّدة.

فأهمية القضية لا تتصل فقط بضبط الشاحنة المحملة بنصف طن (500 كيلوغرام) من المواد شديدة الانفجار (250 كغم من مادة TNT و250 كغم من مادة C-4) والاشتباه بأشخاص في نقلها، بل بما يمكن أن تكشفه التحقيقات القضائية عن مصدر هذه المتفجرات، ومسار انتقالها من البقاع باتجاه العاصمة، والجهة المستلمة، والغاية من هذا التحريك العسكري في ظرف حساس.

ومن هنا، يبرز السؤال المركزي الذي يتجاوز الإجراء الإداري بحد ذاته: هل يشكّل الادّعاء بداية لتفكيك كامل شبكة الشحنة ومسارها، أم أنه قد يتحوّل، في حال فرملة المسار الإجرائي، إلى محطة لاحتواء الملف عند مستوى محدد من المسؤوليات التنفيذية؟

• التكييف القانوني: من الضبط الأمني إلى أروقة قضاء التحقيق

وفق المعطيات القضائية، جاء قرار الادعاء بناءً على استلام مفوّض الحكومة محاضر التحقيقات الأولية التي أجرتها مخابرات الجيش. وشمل الادعاء 13 شخصاً، حُددت الهويات الكاملة لـ 8 منهم (بينهم موقوفان اثنان وزوجة أحدهم)، بينما صُنّف 5 آخرون بألقابهم العسكرية التي تجري التحريات لتحديد هوياتهم الصريحة.

استند التكييف القانوني للادعاء إلى مواد مشددة في قانون العقوبات اللبناني وقانون الأسلحة والذخائر، تتناول:

- الاعتداء على أمن الدولة الداخلي والنيل من هيبة السلطة.

- حيازة ونقل مواد شديدة الانفجار بدون ترخيص قانوني.

- تأليف جمعيات غير مشروعة ومخالفة القرارات الحكومية الرسمية.

ويُشكّل هذا التطور إحالة رسمية للملف والموقوفين إلى قاضية التحقيق العسكري الأولى، غادة أبو علوان، لبدء مرحلة التحقيق الإعدادي (الاستنطاقي). لكن القانون يفرض التمييز بين الادعاء الجزائي الصادر عن النيابة العامة وهو ليس حكماً بالإدانة وبين ما ستسفر عنه الاستجوابات والمواجهات القضائية. فالادعاء هو تحريك للدعوى العامة يفتح الباب أمام إصدار مذكرات التوقيف الوجاهية والغيابية، تمهيداً لصدور «القرار الاتهامي» الذي سيحدد إما الإحالة إلى المحكمة العسكرية الدائمة للمحاكمة العلنية، أو منع المحاكمة في حال عدم كفاية الأدلة.

• الأسئلة الجوهرية المعلقة ومؤشرات المسار

تتجاوز أهمية الملف ملاحقة الحلقة التنفيذية المباشرة المسؤولة عن قيادة الشاحنة أو التنسيق اللوجستي الميداني، لتطال أصل الشحنة والهدف النهائي منها. وعلى الرغم من صدور إشارات سياسية وإعلامية من «حزب الله» تُقرّ بملكية الشحنة وتضعها في إطار «سلاح المقاومة»، فإن التكييف القضائي يتطلب تثبيت هذه المعطيات عبر محاضر رسمية وأدلة قاطعة تُحدد المسؤوليات الجزائية والتنظيمية.

وهنا تبرز مجموعة من المؤشرات الحاكمة لتحديد اتجاه القضية:

- مدى التوسّع في الاستجوابات: هل ستكتفي قاضية التحقيق بالوقائع الميدانية للموقوفين، أم ستتوسّع لاستدعاء هويات الألقاب العسكرية الـ 5 وملاحقة خطوط الإمداد والشركاء؟

- المعطيات الفنية والهندسية: كشف التفاصيل التقنية للشحنة ومصدر استيرادها أو تصنيعها، ومدى مطابقتها لشحنات سابقة.

- طبيعة المذكرات القضائية: مدى استكمال تسطير مذكرات التوقيف والبحث والتحرّي بحق الفارين أو غير مكتملي الهوية دون معوقات إجرائية.

• احتمالات الاحتواء السياسي مقابل صرامة النص القانوني

في الملفات الأمنية ذات الامتدادات السياسية، كثيراً ما يُطرح سيناريو «التسوية غير المعلنة» أو حصر الملاحقة بالمستوى التنفيذي لتفادي التصادم المؤسساتي أو السياسي. غير أن قراءة الملف من المنظور المهني والقانوني تقتضي التعامل مع فرضية التسوية كاحتمال تحليلي يحتاج إلى قرائن تثبته، كتعطيل المذكرات أو عرقلة الاستجوابات بدون مبرر قانوني سليم.

وفي المقابل، فإن استمرار الإجراءات وتأخّر بعضها قد يعود لتعقيدات إجرائية وفنية مشروعة تتصل بكشف الهويات الكاملة للأسماء المرمزة، ولا يعني بالضرورة وجود قرار  سياسي باللفلفة.

وبالتوازي مع المسار العسكري، تبرز مطالبات من أطراف حقوقية و سياسية بإحالة الملف إلى المجلس العدلي باعتبار الجريمة تمسّ الأمن القومي. إلّا أن هذا الإجراء يستلزم قراراً استثنائياً يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل، وهو مسار مختلف تماماً عن إجراءات قضاء التحقيق العسكري القائمة حالياً.

• بين هيبة الدولة وضمانات العدالة

تضع قضية «متفجرات ضهر البيدر» القضاء والشرعية اللبنانية أمام اختبار حقيقي لتطبيق القانون بحزم وشفافية. فهيبة الدولة لا تتكرس بمجرد إعلان الادعاء الشكلي، بل بقدرة المؤسسات القضائية والأمنية على استكمال التحقيق ومتابعة القرار الاتهامي وتنفيذ الأحكام بحق كل من تثبت إدانته، مع الالتزام التام بضمانات العدالة وقرينة البراءة.

إن الادعاء على الـ 13 شخصاً هو الخطوة الأولى في مسار قضائي طويل؛ والعبرة الحقيقية تبقى فيما ستسفر عنه جلسات الاستجلاء أمام قضاء التحقيق العسكري، وما إذا كانت العدالة ستصل إلى إجابات حاسمة تعزز ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم وقضائهم المستقل.