تدخل الكنيسة الأرثوذكسيّة، بصلواتها وليتورجيتها العميقة، زمنَ التهيئة للصوم الكبير بقوّةٍ روحيّةٍ لافتة، فتأخذ بيد المؤمن، أحدًا بعد أحد، عبر سلّمٍ نسكيّ تتدرّج فيه النفس صعودًا نحو فضائل التوبة والتواضع. إنّه زمن التوبة بامتياز، زمن لا يزاحمه زمن، فيه يُدعى الإنسان إلى مواجهة ذاته والعودة إلى الله بصدقٍ واقتناع.
فعمليًّا، بدأت كنيستنا منذ الأحد الفائت موسم التريودي، أي فترة الاستعداد للصوم الكبير، وذلك مع أحد الفرّيسيّ والعشّار. ومنذ ذلك اليوم، يتبدّل لحن صلاة السحر بعد المزمور الخمسين، فنرنّم ثلاث قطع خاصّة بهذه المرحلة، تتسلّل إلى أعماق القلب، فتوقظه من غفلته، وتذكّره بثقل خطاياه، وتحثّه على التوبة الصادقة.
وما أعظم ما أورثنا إيّاه الآباء القدّيسون من تعاليم لاهوتيّة مصوغة في تراتيل مؤثّرة، لعلّ أبرزها القطعة الأولى في صلاة السحر:
«افتحْ لي أبواب التوبة يا واهب الحياة، فإنّ روحي تبتكر إلى هيكل قدسك، آتيًا بهيكل جسدي مدنّسًا بجملته، لكن بما أنّك متعطّف، نقّني بتحنّن مراحمك».
إنّ باب التوبة مفتوح أمام كلّ مذنب، لا يُغلق في وجه أحد، مهما عَظُم الذنب أو طال زمن الإصرار عليه. فمتى عاد الإنسان إلى ربّه توبةً صادقة، قَبِل الله توبته، لأنّ رحمته لا تُقاس، وحنانه لا يُحدّ.
قد يدهشنا في مثل الفرّيسيّ والعشّار أنّ العشّار، وهو الغارق في خطيئته، كان أكثر وعيًا لحاله، وأكثر جرأة في التضرّع إلى الله طالبًا الرحمة. وقد أعطانا المسيح هذا المثل ليعلّمنا أنّ التواضع هو المفتاح الأساسيّ للتوبة. وفي هذا السياق، ينقل لنا القدّيس سلوان الآثوسيّ خبرته الروحيّة قائلًا:
«إنّ روح الإنسان المتواضع كالبحر، فإذا أُلقِيَ حجرٌ فيه، اضطرب سطحه لحظة، ثمّ غاص الحجر في الأعماق. هكذا تُبتلع الآلام والأحزان في قلب الإنسان المتواضع وتُنسى، لأنّ قوّة العليّ معه».
إنّ الاعتراف بالخطأ فضيلة عظيمة، فكيف إذا اعترف الإنسان بخطاياه قولًا وفعلًا وفكرًا؟ هذه هي حال الابن الشاطر، الذي نقرأ إنجيله في هذا الزمن المبارك. ذاك الابن الطائش الذي بدّد مال أبيه، لمّا بلغ قاع السقوط، أدرك أنّ لا خلاص له إلّا بالعودة إلى بيت أبيه. ولم تكن أبواب البيت موصدة، بل كان الأب واقفًا ينتظر، تاركًا مفتاح التوبة في الخارج، مترقّبًا رجوع الابن الضال.
إنّ «أبواب التوبة» مشرّعة دومًا عند الله، ولا عبور إلى الملكوت إلّا عبرها. فالتوبة هي الرجوع إلى الله بعد هجران، وهي لقاء الحياة بعد الموت، لأنّ الله على أهبة الاستعداد دائمًا ليهبنا حياةً جديدة، نعيشها في حضرته ومعه.
في مثلَي الفرّيسيّ والعشّار، والابن الشاطر، تعلّمنا الكنيسة أهميّة العودة إلى بيت الله، إلى «هيكل قدسه»، مهما كانت نفوسنا وأجسادنا مثقلة بالخطيئة. فلا خوف من الوقوف أمام عرش الملك، إن كانت وقفتنا مغموسة بندامة صادقة ورجاءٍ برحمته. فالاعتراف بالخطيئة هو الخطوة الأولى والجديّة نحو التوبة، لكنّه لا يتمّ إلّا إذا اقترن برغبة حقيقيّة في تغيير الذهن، وبإرادةٍ للخلاص، وثقةٍ مطلقة برحمة الله.
نحن على يقين أنّ الله متعطّف، وهو وحده القادر أن ينقّي الإنسان الساقط تحت نير الخطيئة، بفيض حنانه ومراحمه. وما علينا سوى أن نطلب إليه أن يمحو خطايانا، ويجدد فينا قلبًا نقيًّا، محبًّا ووديعًا.
هذا النداء موجّه إلى جميع الناس، وبصورة خاصّة إلى الإكليروس وكلّ العاملين بتواضع في حقل الرب، المدعوّين إلى التمثّل بفضائل القدّيسين، وإلى أن يأخذوا الكتاب المقدّس ويأكلوه، أي يتشرّبوا كلمته، ليصير فكرهم فكر الله، لا فكرهم الخاصّ، ولا فكر الأدباء أو الفلاسفة أو الشعراء. فالسيّد لا يُعلِن ذاته للنفس المتكبّرة، إذ إنّ الكبرياء تطرد نعمة الروح القدس، والله لا يُعرَف إلّا بالروح القدس.