جورج خضر: أيقونةٌ أنطاكيّةٌ
14 Feb 202607:48 AM
جورج خضر: أيقونةٌ أنطاكيّةٌ
سبعة عشر عامًا أمضيتُها في عائلة مسيحية أرثوذكسية، تعيش التقوى ببساطة، وتلتزم الصلوات والأصوام، من دون التعمّق في جوهر الإيمان أو التزوّد بالمعرفة الكنسية بإتقان، أو التبحّر في الكتاب المقدس وتعاليم الآباء والتوسّع في فهم العقائد والإيمان القويم.

يتدخّل الله في حياة البشر من دون استئذان، وهكذا حدث ما لم يكن في الحسبان حين تعرّفتُ إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسية في أواسط ثمانينيات القرن الماضي. التحقتُ بصفوفها، ونلتُ يومها ولادة جديدة بالكلمة.
أسّسنا، مع مجموعة من الإخوة، فرقة حركية صغيرة في رعية القديسين بطرس وبولس في الحازمية. وأدركتُ سريعًا أن الفرقة الحركية هي الخلية الأساسية والروحية في الحركة، تؤمّن للمنتسب مناخًا آمنًا ينمو فيه الإيمان وتتجذّر فيه الثقة بالنفس.
كان الالتزام سيّد الموقف. هناك وجدتُ ما كان ينقص إيمان آبائي وأجدادي. منحتني الفرقة الحركية التربية المسيحية، وروح الشهادة، وحسّ العمل الاجتماعي. نشّأتنا على “فكر المسيح” من خلال دراسة الإنجيل، وحياة الشركة والمحبة، خدمةً للكنيسة والفقراء.
ولم يمضِ وقت طويل على البدايات حتى أشرق أمامنا وجه المطران جورج خضر، أحد أبرز مؤسّسي الحركة. وجهٌ يشدّك فورًا إلى وجه الله، إلى النور الحقيقي الساطع في ظلمة هذا الدهر. سحرني بعظاته وكتاباته وفكره المستنير بنور المعرفة، وهو الذي انتُخب مطرانًا على أبرشية جبيل والبترون وما يليهما في الخامس عشر من شباط عام 1970، ومنذ ذلك الحين، لأكثر من نصف قرن، ظلّ شاهدًا حيًا للكنيسة.
لا يمكن للمرء أن يتعرّف إلى جورج خضر من دون أن يلامس سرّ هذا الرجل، الذي ترجمه في كلماته وأعماله. ففي عام 1942، أسّس مع مجموعة من الشباب تلك الحركة المباركة التي ما تزال، إلى اليوم، نابضة بالحيوية، لم تعرف الشيخوخة، ويصحّ فيها القول: «ويتجدّد مثل النسر شبابها».
قال المطران جورج عن الحركة: «ما كنّا حركة تمرّد على الإكليروس، بل حركة توعية للجميع. منها انطلقت الرهبنات، ومجلّة النور، ومنشورات النور… كنّا مقتنعين بأن كنيستنا الأرثوذكسية هي كنيسة التراث، المخلصة للألفية الأولى، والقادرة بتراثها هذا وبمجد ليتورجيتها أن تحيا من جديد».
وكانت مساهمته فاعلة في نشأة أولى الرهبنات الجديدة: دير القديس يعقوب – ددّه للراهبات، ودير القديس جاورجيوس – دير الحرف للرهبان.
دفعني التزامي بالحركة إلى التعمّق في مبادئها، وكثيرًا ما تساءلتُ عن صعوبة تطبيقها. لكن وجه “سيدنا جورج” وسيرته كانا يحضران أمامي دائمًا، وهو الداعي إلى نهضة دينية وثقافية وأخلاقية واجتماعية.
لم يكتفِ باتّباع الفروض الدينية ومعرفة تعاليم الكنيسة، بل كتب وعلّم ونشر التعاليم في سبيل تقوية الإيمان المسيحي في الشعب. وأوجد لنفسه ثقافة خاصة، استوحى عناصرها من روح الكنيسة الأرثوذكسية. كان القارئ الجاد، من مختلف الطوائف والأديان، ينتظر بشغف مقالته الأسبوعية في صحيفة “النهار”، ليتعلّم من فكره الكثير.
عشقه للمسيح حمله إلى معالجة القضايا الاجتماعية المرتبطة بالمبادئ المسيحية العامة. كان اهتمامه بالفقير والمظلوم وكل محتاج في صلب أولوياته. لذلك وُجّهت إليه اتهامات أيديولوجية، لمجرّد أنه آمن بمحبة “الأخ الصغير” الذي جاء المسيح من أجله. فتصدّى في كتاباته وعظاته لكل ما يؤدّي إلى الفقر والظلم وأنواع القهر كافة.
فهم المطران جورج أن الأرثوذكسية هي المحبة وأعمال الرحمة. وعلى الرغم من كونه أسقفًا أرثوذكسيًا صلبًا في إيمانه، استنكر مرارًا التعصّب الأعمى والطائفية السياسية. تمسّك بالمبادئ الأرثوذكسية شرطًا أساسيًا لتقوية الإيمان، وسعى في الوقت عينه إلى بناء روابط أخوية بين الكنائس المسيحية.
أدرك أن الرؤية الأرثوذكسية للعلاقات مع الآخر لا تقبل المراوغة أو التلفيق، بل الصدق والوضوح. فسكب فكره في مبادئ حركة الشبيبة الأرثوذكسية، معتبرًا أن الانشقاقات بين المسيحيين عار ينبغي العمل على محوه، لكي يؤمن العالم أن يسوع المسيح هو المخلّص. لكنه شدّد في الوقت ذاته على ضرورة الثبات في الإعلان الإلهي كما تسلّمته الكنيسة الأرثوذكسية، غير منقوص ولا معدّل.
كان متقدّمًا في الحوار المسكوني، وأسهم بانفتاحه ومحبته في إحداث تغيير جذري في العلاقة مع الكنيسة الكاثوليكية عمومًا، والكنيسة المارونية خصوصًا، وكذلك مع الكنائس الأرثوذكسية في العالم.
لم يَخف يومًا من مواجهة المزايدين والمتملّقين والمتطرّفين، سواء في الداخل الأرثوذكسي أو خارجه. لم يستسلم للساسة والسياسة، ولم تغره الماديات. تحرّر من سلطة المال، وعلّمنا معنى الأبوّة في سلطته الأسقفية. أتقن دور الأب في مثل الابن الشاطر، ولذلك لم نتردّد يومًا في العودة إليه في كل تجربة أو محنة، ولم نخرج من عنده إلا مطمئنين.
جورج خضر، تلك الأيقونة الأسقفية في كنيسة أنطاكية، وقد بلغ، في تموز الفائت، "عامه الثالث بعد المئة، قضى نحو خمسين عامًا منها في الخدمة الأسقفية، وبقي المعلّم والمرشد حتى بعد استعفائه، في حضوره وصمته معًا، "خادمًا ليسوع وكارزًا به وعاملًا منذ الساعة الأولى في كنيسته" كما أشار المطران سلوان موسي (راعي الأبرشية الحالي) في رسالة له لآباء الأبرشية، على ضوء ذكرى انتخاب المطران جورج راعيًا لأبرشية جبل لبنان.

يا معلّمي، اشتهيتَ الأسقفية لا شهوةً في السلطة والكرامة، بل لتغسل أقدام الآخرين، وتبذل ذاتك من أجل كل أحد في المسيح يسوع. جعلتنا نؤمن أن الله يريد رحمةً لا ذبيحة، حبًا لا أحقادًا، تمسّكًا لا تعصّبًا، قلبًا لا كلامًا، انفتاحًا لا تقوقعًا، كرامةً لا تزلفًا، أقلامًا حرة لا مأجورة، تواضعًا لا كبرياء، توبةً لا خطيئة، قلبًا نقيًا وفكرًا مستنيرًا.
أردتنا، يا سيدنا جورج، أن نبلغ ملء قامة المسيح.
فإلى سنين عديدة ومديدة، يا سيد.

#

فضل شاكر

المزيد