ليست المشكلة في لبنان اليوم أنه يفاوض إسرائيل مباشرة أو لا يفاوضها، ولا حتى في حدود الجنوب والمعارك الدائرة هناك، أو ملفات الترسيم أو التفاوض. المشكلة أعمق بكثير: من يملك الدولة اللبنانية؟ ومن يحتكر تمثيلها في الحرب والسلم والتفاوض ومن يحدد مسارها؟ خصوصاً في لحظة تتقدم فيها رئاسة الجمهورية والحكومة كمحاولة لإعادة تموضع الدولة كمركز قرار سيادي واحد.
المنظومة السياسية–الأمنية، التي يقودها الثنائي الشيعي الموالي لايران في لبنان (حركة أمل وحزب الله)، ترفض عملياً هذا الانتقال نحو احتكار الدولة للقرار، وتتعامل معه كتحول يمسّ التوازنات الداخلية التي حكمت هي من خلاله وبسطوة السلاح والاحتلالين السوري والايراني لبنان لعقود.
هذا الثنائي لا يضع اعتراضه في مواجهة مع إسرائيل بقدر ما يضعه في مواجهة مع مؤسسات الدولة اللبنانية ورئاسة الجمهورية تحديداً. برأيي لم يكن نبيه بري ليتردد في لقاء بنيامين نتانياهو ومصافحته لو كان هو المدعو الى البيت الأبيض.
الرسائل التي تصل إلى بعبدا وباقي اللبنانيين عبر دوائر قريبة من هذا المحور، بما فيها إعلام محسوب عليه، تتمحور حول رفض أي مسار تفاوضي لا يمر عبر موازين النفوذ التقليدية الداخلية كما تعودوا خارج الإطار الدستوري، وليس مبدأ التفاوض بذاته ولا حتى المصلحة الوطنية الاستراتيجية العليا للبنان.
في المقابل، يبرز موقع رئاسة الجمهورية بقيادة الرئيس جوزف عون كمرجعية تفاوضية أساسية، مدعومة بقراءة دولية واضحة تعتبر أن الدولة هي المخاطب الوحيد في أي تسوية مستقبلية مستدامة، فلا مجال للاتفاقيات تحت الطاولة بعد اليوم وهو ما نراه في اطار المقاربة الأميركية ضمن الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب، حيث تتحرك واشنطن على قاعدة واضحة: أي استقرار في لبنان يمر حصراً عبر الدولة اللبنانية كمركز قرار وحيد، مع رفض ازدواجية السلطة أو القنوات الموازية في التفاوض.
هذا الطرح الأميركي ليس نظرياً بل يُقدَّم اليوم كإطار عمل سياسي مباشر يربط الدعم الدولي وتحرير الارض والاستقرار وإعادة الإعمار بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الكاملة وحصر السلاح، واحتكار القرار التفاوضي دون أي شريك موازٍ لا داخلي ولا خارجي.
ومن هنا، يصبح السؤال الملح: إذا كان هذا هو المسار الدولي المطروح اليوم، فلماذا يتحول داخلياً إلى نقطة صدام بدل أن يكون قاعدة إجماع؟
تجوز العودة الى ملف الترسيم البحري والتفاهمات المتعلقة بحقل كاريش، كـ تذكير مباشر بسوابق تفاوض جرت خارج الإطار الصرف للدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية وبمشاركة واشراف نبيه بري والحزب. فقد جرى التوصل إلى تسويات معقدة تحت ضغط دولي وميداني، في مسار تفاوضي من أكثر الملفات إثارة للجدل داخلياً حيث يرى منتقدو هذا المسار أن تلك التفاهمات أدت عملياً إلى تقديم تنازلات استراتيجية في ملف الموارد البحرية، وأنها تمت في لحظة اختلال توازن سياسي وأمني، يجدر المطالبة بالتحقيق فيها ومحاسبة المتورطين.
ان نبيه بري ووليد جنبلاط يواجهان الصعود الدستوري في بعبدا في اطار الصراع الأوسع حول إعادة تموضع القرار داخل الدولة. إذ يرى الشريكان ومعهم الحزب بذلك نهاية لسطوتهم على البلد.
وفي هذا الإطار، فإن الإشكالية الأساسية، في القراءة السياسية، ليست في وجود خلاف سياسي، بل في طبيعة هذا التحول نفسه.
جوهر الأزمة ليس في شكل التفاوض واين ومع من، بل في بنية السلطة نفسها داخل لبنان، حيث يصبح أي انتقال نحو الدولة والغاء الدويلة اصطداماً مباشراً مع شبكة نفوذ موازية تشكلت عبر عقود.
ان استمرار هذا الواقع يضع الطائفة الشيعية أمام تحدٍّ استراتيجي طويل الأمد، ليس في علاقتها بالخارج، بل في موقعها داخل الدولة اللبنانية نفسها وعلاقتها مع باقي مكونات البلد، إذا استمر الذهاب عكس منطق الدولة وحكم الدستور.
في المقابل، تتبلور داخل لبنان إعادة اصطفاف سياسي تدريجي. فالسُنّة والمسيحيون هم اليوم أكثر وضوحاً في دعم الدولة ومؤسساتها في المسار السيادي، مع بروز حراك نيابي في بيروت يعكس هذا الاتجاه ويتوقع ان يتمدد ليشمل قوى شيعية معارضة للنهج الحالي، وشخصيات درزية خارج عباءة وليد جنبلاط، بالاضافة الى المكون المسيحي بما يعيد إنتاج توازن وطني جديد.
في النهاية، لم تعد المعركة في لبنان مع إسرائيل بقدر ما هي داخلية بامتياز،
والسؤال الحاسم اليوم لم يعد اذا ما سيوقع اتفاق سلام بين بيروت وتل ابيب بقدر ما هو هل سيجد لبنان سلامه الداخلي في ظل بقاء منظومة دمرته تخنقه وتحاربه من الداخل؟
المنظومة السياسية–الأمنية، التي يقودها الثنائي الشيعي الموالي لايران في لبنان (حركة أمل وحزب الله)، ترفض عملياً هذا الانتقال نحو احتكار الدولة للقرار، وتتعامل معه كتحول يمسّ التوازنات الداخلية التي حكمت هي من خلاله وبسطوة السلاح والاحتلالين السوري والايراني لبنان لعقود.
هذا الثنائي لا يضع اعتراضه في مواجهة مع إسرائيل بقدر ما يضعه في مواجهة مع مؤسسات الدولة اللبنانية ورئاسة الجمهورية تحديداً. برأيي لم يكن نبيه بري ليتردد في لقاء بنيامين نتانياهو ومصافحته لو كان هو المدعو الى البيت الأبيض.
الرسائل التي تصل إلى بعبدا وباقي اللبنانيين عبر دوائر قريبة من هذا المحور، بما فيها إعلام محسوب عليه، تتمحور حول رفض أي مسار تفاوضي لا يمر عبر موازين النفوذ التقليدية الداخلية كما تعودوا خارج الإطار الدستوري، وليس مبدأ التفاوض بذاته ولا حتى المصلحة الوطنية الاستراتيجية العليا للبنان.
في المقابل، يبرز موقع رئاسة الجمهورية بقيادة الرئيس جوزف عون كمرجعية تفاوضية أساسية، مدعومة بقراءة دولية واضحة تعتبر أن الدولة هي المخاطب الوحيد في أي تسوية مستقبلية مستدامة، فلا مجال للاتفاقيات تحت الطاولة بعد اليوم وهو ما نراه في اطار المقاربة الأميركية ضمن الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب، حيث تتحرك واشنطن على قاعدة واضحة: أي استقرار في لبنان يمر حصراً عبر الدولة اللبنانية كمركز قرار وحيد، مع رفض ازدواجية السلطة أو القنوات الموازية في التفاوض.
هذا الطرح الأميركي ليس نظرياً بل يُقدَّم اليوم كإطار عمل سياسي مباشر يربط الدعم الدولي وتحرير الارض والاستقرار وإعادة الإعمار بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها الكاملة وحصر السلاح، واحتكار القرار التفاوضي دون أي شريك موازٍ لا داخلي ولا خارجي.
ومن هنا، يصبح السؤال الملح: إذا كان هذا هو المسار الدولي المطروح اليوم، فلماذا يتحول داخلياً إلى نقطة صدام بدل أن يكون قاعدة إجماع؟
تجوز العودة الى ملف الترسيم البحري والتفاهمات المتعلقة بحقل كاريش، كـ تذكير مباشر بسوابق تفاوض جرت خارج الإطار الصرف للدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية وبمشاركة واشراف نبيه بري والحزب. فقد جرى التوصل إلى تسويات معقدة تحت ضغط دولي وميداني، في مسار تفاوضي من أكثر الملفات إثارة للجدل داخلياً حيث يرى منتقدو هذا المسار أن تلك التفاهمات أدت عملياً إلى تقديم تنازلات استراتيجية في ملف الموارد البحرية، وأنها تمت في لحظة اختلال توازن سياسي وأمني، يجدر المطالبة بالتحقيق فيها ومحاسبة المتورطين.
ان نبيه بري ووليد جنبلاط يواجهان الصعود الدستوري في بعبدا في اطار الصراع الأوسع حول إعادة تموضع القرار داخل الدولة. إذ يرى الشريكان ومعهم الحزب بذلك نهاية لسطوتهم على البلد.
وفي هذا الإطار، فإن الإشكالية الأساسية، في القراءة السياسية، ليست في وجود خلاف سياسي، بل في طبيعة هذا التحول نفسه.
جوهر الأزمة ليس في شكل التفاوض واين ومع من، بل في بنية السلطة نفسها داخل لبنان، حيث يصبح أي انتقال نحو الدولة والغاء الدويلة اصطداماً مباشراً مع شبكة نفوذ موازية تشكلت عبر عقود.
ان استمرار هذا الواقع يضع الطائفة الشيعية أمام تحدٍّ استراتيجي طويل الأمد، ليس في علاقتها بالخارج، بل في موقعها داخل الدولة اللبنانية نفسها وعلاقتها مع باقي مكونات البلد، إذا استمر الذهاب عكس منطق الدولة وحكم الدستور.
في المقابل، تتبلور داخل لبنان إعادة اصطفاف سياسي تدريجي. فالسُنّة والمسيحيون هم اليوم أكثر وضوحاً في دعم الدولة ومؤسساتها في المسار السيادي، مع بروز حراك نيابي في بيروت يعكس هذا الاتجاه ويتوقع ان يتمدد ليشمل قوى شيعية معارضة للنهج الحالي، وشخصيات درزية خارج عباءة وليد جنبلاط، بالاضافة الى المكون المسيحي بما يعيد إنتاج توازن وطني جديد.
في النهاية، لم تعد المعركة في لبنان مع إسرائيل بقدر ما هي داخلية بامتياز،
والسؤال الحاسم اليوم لم يعد اذا ما سيوقع اتفاق سلام بين بيروت وتل ابيب بقدر ما هو هل سيجد لبنان سلامه الداخلي في ظل بقاء منظومة دمرته تخنقه وتحاربه من الداخل؟