د. بولا أبي حنا
نداء الوطن
بين نفوذ يُمارَس اليوم ووصايةٍ حكمت الأمس، تعود "عنجر" إلى الواجهة لا كمقارنة سياسية، بل كاختبار لذاكرة السيادة في لبنان، حيث لا يكفي استحضار الماضي… بل يجب فهمه بدقّة.
هناك كلمات في الحياة السياسية لا تُقال كغيرها، كلمات تحمل تاريخًا كاملًا في حروف قليلة وتستحضر أكثر مما تُعلن. كلمة "عنجر" واحدة منها.
تردّدت كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال. فالبلد يغلي، والناس تحت ضغط يومي، وربما ليس هذا هو الوقت المناسب لاستحضار الماضي بكل ما فيه من مآسٍ. لكن، في لحظة ما، شعرت أن هناك ما هو أقوى من هذا التردد؛ شيء يدفع إلى الكتابة، لا بدافع الحنين، بل بدافع الذاكرة، والذاكرة هنا ليست خيارًا، بل مسؤولية.
في بداياتي، لم تكن "عنجر" بالنسبة إليّ سوى اسم مكان جميل. كنت في عمر لا يسمح لي بفهم السياسة ولا بتفكيك علاقات السلطة. كنت أسمع عبارات تتكرر: "فلان زار عنجر"، أو "انقال له تعا تنشرب قهوة بعنجر". كنت أظن، ببراءة، أنهم يتحدثون عن قلعة عنجر، عن التاريخ والحجر والهدوء، عن لبنان الذي نحبّه في الصور. لم أفهم يومها لماذا تُقال هذه الجمل بنبرة مختلفة، فيها شيء من الحذر وربما من الرهبة.
لاحقًا فقط، اكتشفت أن "عنجر" لم تكن مكانًا بل مرجعًا؛ لم تكن دعوة إلى قهوة، بل استدعاءً إلى مركز قرار تُحدَّد فيه السقوف وتُرسم فيه الحدود السياسية. وعندما سمعت مؤخرًا كلام الرئيس نبيه بري عن أن "عوكر اليوم تلعب دور عنجر"، لم أسمع مجرد مقارنة سياسية، بل استحضارًا لذاكرة كاملة بكل ما تحمله من ثقل.
في ظاهرها، تبدو المقارنة بسيطة: نفوذ خارجي بالأمس ونفوذ خارجي اليوم. لكن في العمق، نحن أمام نموذجين مختلفين جذريًا في طبيعة السلطة وحدودها. لم تكن عنجر رمزًا لنفوذ سياسي عابر، بل مركز القرار الفعلي خلال مرحلة الوصاية السورية، حيث لم تكن القرارات تُناقش داخل المؤسسات اللبنانية بقدر ما كانت تُصاغ خارجها وتُمرَّر عبرها.
في تلك المرحلة، لم يكن الخلل مجرد اختلال في التوازنات، بل مساسًا مباشرًا بجوهر السيادة. ففرض الرؤساء لم يكن استثناءً، وتشكيل الحكومات لم يكن نتيجة تفاوض داخلي، والبرلمان لم يكن مساحة تمثيل حر، كما أن الأجهزة الأمنية لم تكن مستقلة في قرارها. لقد كانت الدولة، في معناها العميق، تُدار من خارجها.
ولعل الأخطر من ذلك كان المناخ العام الذي حكم الحياة السياسية، حيث لم يكن الاختلاف يُدار ضمن قواعد ديمقراطية، بل كان يُقمع ضمن حدود مرسومة سلفًا، في ظل تاريخ ثقيل من الاغتيالات والترهيب وكتم الأصوات، ما جعل السياسة نفسها محكومة بمنطق الخوف لا بمنطق التعددية.
في المقابل، وفي مقاربة أكثر عمقًا للدور الأميركي في لبنان، يبرز أحيانًا البعد الشخصي في تكوين بعض الشخصيات الدبلوماسية، لا سيما عندما تكون منحدرة من أصول لبنانية، كما هو حال السفير ميشال عيسى، هذا الانتماء لا يمكن فصله كليًا عن طريقة قراءة الواقع اللبناني، بلدٍ تتشابك فيه السياسة مع الذاكرة الاجتماعية والهجرة القسرية التي طالت مئات آلاف العائلات.
ومن هذا المنظور، اكتسبت زيارة بكركي بعدًا يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، نظرًا إلى ما تمثله هذه المرجعية الروحية من ثقل تاريخي في الوجدان اللبناني، وإلى ما تحمله من رمزية تتصل بمسألة الاستقرار والحفاظ على ما تبقى من توازن داخلي. وقد رأى البعض في هذا الخطاب تقاطعًا بين الهواجس اللبنانية العميقة وبين اهتمام خارجي بمنع تفكك الدولة وتفاقم موجات الهجرة التي طالت عيسى يوماً ما.
لكن رغم هذا البعد الرمزي أو الثقافي، تبقى الحقيقة الأساسية أن العمل الدبلوماسي لا يُدار بالانتماءات أو الذاكرة الفردية، بل بسياسات الدول ومصالحها. فالسفير، مهما كانت جذوره، لا يتحرك بوصفه امتدادًا لهوية محلية، بل بوصفه ممثلًا لدولة ذات قرار مستقل.
اضافة الى انه لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تمارس تأثيرًا واضحًا في لبنان، وأن حضورها السياسي عبر سفارتها في عوكر يمتد إلى ملفات متعددة، من الاقتصاد إلى التوازنات الداخلية. إلا أن هذا التأثير، مهما بلغ، لا يرقى من حيث طبيعته إلى ما كانت تمثّله عنجر.
فالدولة اللبنانية لا تُدار من عوكر، ولا تُعيَّن السلطات الدستورية رسميًا عبرها، ولا تُمسك الأجهزة الأمنية بقرارها المباشر، كما لم تعد الحياة اليومية للبنانيين تُضبط من خلال مركز خارجي واحد. الفارق هنا ليس في الدرجة بل في النوع؛ إذ إن ما نشهده اليوم هو نفوذ يُمارَس ضمن توازنات معقّدة، بينما ما كانت تمثّله عنجر هو سلطة مباشرة لا لبس فيها.
إن الخلط بين هذه المستويات لا يُضعف الحاضر فقط، بل يُشوّه أيضًا قراءة الماضي، لأن الذاكرة في بلد مثل لبنان ليست تفصيلاً بل جزء من تعريفنا للسيادة. وعندما تختلط المفاهيم، نخاطر بأن نُساوي بين ما لا يمكن مساواته، وأن نُخفّف من ثقل مرحلة لم تكن عادية في تاريخ الدولة.
ومع ذلك، لا يمكن الوقوع في وهم معاكس. فلبنان، حتى اليوم، لا يعيش سيادة مكتملة، بل لا يزال ساحة تتقاطع فيها إرادات الخارج وتتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليست في عنجر وحدها، ولا في عوكر، بل في غياب القدرة الداخلية على إنتاج قرار سيادي مستقل.
وعليه، وبكل احترام، أقول: عذرًا حضرة الرئيس، المقارنة ليست في محلّها. ليس لأننا نقلّل من خطورة أي تدخل خارجي، بل لأننا نعرف، من التجربة لا من التحليل فقط، ماذا كانت تعني عنجر ونظام الأسد تحديداً حليفكم الدائم.
في النهاية، المسألة ليست دفاعًا عن طرف ولا تبريرًا لنفوذ، بل دفاع عن فكرة يجب أن تبقى واضحة: أن السيادة لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمقارنات، بل تُمارَس. وأن الاستقلال، كما نصّ عليه الدستور، لا يكون شعارًا في الخطاب، بل قاعدة في الممارسة. فإما أن نعيش دولة قادرة على حماية قرارها، أو نبقى، في كل مرة، نبحث عن اسم جديد لنصف به ما لم يتغير.
هناك كلمات في الحياة السياسية لا تُقال كغيرها، كلمات تحمل تاريخًا كاملًا في حروف قليلة وتستحضر أكثر مما تُعلن. كلمة "عنجر" واحدة منها.
تردّدت كثيرًا قبل أن أكتب هذا المقال. فالبلد يغلي، والناس تحت ضغط يومي، وربما ليس هذا هو الوقت المناسب لاستحضار الماضي بكل ما فيه من مآسٍ. لكن، في لحظة ما، شعرت أن هناك ما هو أقوى من هذا التردد؛ شيء يدفع إلى الكتابة، لا بدافع الحنين، بل بدافع الذاكرة، والذاكرة هنا ليست خيارًا، بل مسؤولية.
في بداياتي، لم تكن "عنجر" بالنسبة إليّ سوى اسم مكان جميل. كنت في عمر لا يسمح لي بفهم السياسة ولا بتفكيك علاقات السلطة. كنت أسمع عبارات تتكرر: "فلان زار عنجر"، أو "انقال له تعا تنشرب قهوة بعنجر". كنت أظن، ببراءة، أنهم يتحدثون عن قلعة عنجر، عن التاريخ والحجر والهدوء، عن لبنان الذي نحبّه في الصور. لم أفهم يومها لماذا تُقال هذه الجمل بنبرة مختلفة، فيها شيء من الحذر وربما من الرهبة.
لاحقًا فقط، اكتشفت أن "عنجر" لم تكن مكانًا بل مرجعًا؛ لم تكن دعوة إلى قهوة، بل استدعاءً إلى مركز قرار تُحدَّد فيه السقوف وتُرسم فيه الحدود السياسية. وعندما سمعت مؤخرًا كلام الرئيس نبيه بري عن أن "عوكر اليوم تلعب دور عنجر"، لم أسمع مجرد مقارنة سياسية، بل استحضارًا لذاكرة كاملة بكل ما تحمله من ثقل.
في ظاهرها، تبدو المقارنة بسيطة: نفوذ خارجي بالأمس ونفوذ خارجي اليوم. لكن في العمق، نحن أمام نموذجين مختلفين جذريًا في طبيعة السلطة وحدودها. لم تكن عنجر رمزًا لنفوذ سياسي عابر، بل مركز القرار الفعلي خلال مرحلة الوصاية السورية، حيث لم تكن القرارات تُناقش داخل المؤسسات اللبنانية بقدر ما كانت تُصاغ خارجها وتُمرَّر عبرها.
في تلك المرحلة، لم يكن الخلل مجرد اختلال في التوازنات، بل مساسًا مباشرًا بجوهر السيادة. ففرض الرؤساء لم يكن استثناءً، وتشكيل الحكومات لم يكن نتيجة تفاوض داخلي، والبرلمان لم يكن مساحة تمثيل حر، كما أن الأجهزة الأمنية لم تكن مستقلة في قرارها. لقد كانت الدولة، في معناها العميق، تُدار من خارجها.
ولعل الأخطر من ذلك كان المناخ العام الذي حكم الحياة السياسية، حيث لم يكن الاختلاف يُدار ضمن قواعد ديمقراطية، بل كان يُقمع ضمن حدود مرسومة سلفًا، في ظل تاريخ ثقيل من الاغتيالات والترهيب وكتم الأصوات، ما جعل السياسة نفسها محكومة بمنطق الخوف لا بمنطق التعددية.
في المقابل، وفي مقاربة أكثر عمقًا للدور الأميركي في لبنان، يبرز أحيانًا البعد الشخصي في تكوين بعض الشخصيات الدبلوماسية، لا سيما عندما تكون منحدرة من أصول لبنانية، كما هو حال السفير ميشال عيسى، هذا الانتماء لا يمكن فصله كليًا عن طريقة قراءة الواقع اللبناني، بلدٍ تتشابك فيه السياسة مع الذاكرة الاجتماعية والهجرة القسرية التي طالت مئات آلاف العائلات.
ومن هذا المنظور، اكتسبت زيارة بكركي بعدًا يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، نظرًا إلى ما تمثله هذه المرجعية الروحية من ثقل تاريخي في الوجدان اللبناني، وإلى ما تحمله من رمزية تتصل بمسألة الاستقرار والحفاظ على ما تبقى من توازن داخلي. وقد رأى البعض في هذا الخطاب تقاطعًا بين الهواجس اللبنانية العميقة وبين اهتمام خارجي بمنع تفكك الدولة وتفاقم موجات الهجرة التي طالت عيسى يوماً ما.
لكن رغم هذا البعد الرمزي أو الثقافي، تبقى الحقيقة الأساسية أن العمل الدبلوماسي لا يُدار بالانتماءات أو الذاكرة الفردية، بل بسياسات الدول ومصالحها. فالسفير، مهما كانت جذوره، لا يتحرك بوصفه امتدادًا لهوية محلية، بل بوصفه ممثلًا لدولة ذات قرار مستقل.
اضافة الى انه لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تمارس تأثيرًا واضحًا في لبنان، وأن حضورها السياسي عبر سفارتها في عوكر يمتد إلى ملفات متعددة، من الاقتصاد إلى التوازنات الداخلية. إلا أن هذا التأثير، مهما بلغ، لا يرقى من حيث طبيعته إلى ما كانت تمثّله عنجر.
فالدولة اللبنانية لا تُدار من عوكر، ولا تُعيَّن السلطات الدستورية رسميًا عبرها، ولا تُمسك الأجهزة الأمنية بقرارها المباشر، كما لم تعد الحياة اليومية للبنانيين تُضبط من خلال مركز خارجي واحد. الفارق هنا ليس في الدرجة بل في النوع؛ إذ إن ما نشهده اليوم هو نفوذ يُمارَس ضمن توازنات معقّدة، بينما ما كانت تمثّله عنجر هو سلطة مباشرة لا لبس فيها.
إن الخلط بين هذه المستويات لا يُضعف الحاضر فقط، بل يُشوّه أيضًا قراءة الماضي، لأن الذاكرة في بلد مثل لبنان ليست تفصيلاً بل جزء من تعريفنا للسيادة. وعندما تختلط المفاهيم، نخاطر بأن نُساوي بين ما لا يمكن مساواته، وأن نُخفّف من ثقل مرحلة لم تكن عادية في تاريخ الدولة.
ومع ذلك، لا يمكن الوقوع في وهم معاكس. فلبنان، حتى اليوم، لا يعيش سيادة مكتملة، بل لا يزال ساحة تتقاطع فيها إرادات الخارج وتتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليست في عنجر وحدها، ولا في عوكر، بل في غياب القدرة الداخلية على إنتاج قرار سيادي مستقل.
وعليه، وبكل احترام، أقول: عذرًا حضرة الرئيس، المقارنة ليست في محلّها. ليس لأننا نقلّل من خطورة أي تدخل خارجي، بل لأننا نعرف، من التجربة لا من التحليل فقط، ماذا كانت تعني عنجر ونظام الأسد تحديداً حليفكم الدائم.
في النهاية، المسألة ليست دفاعًا عن طرف ولا تبريرًا لنفوذ، بل دفاع عن فكرة يجب أن تبقى واضحة: أن السيادة لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمقارنات، بل تُمارَس. وأن الاستقلال، كما نصّ عليه الدستور، لا يكون شعارًا في الخطاب، بل قاعدة في الممارسة. فإما أن نعيش دولة قادرة على حماية قرارها، أو نبقى، في كل مرة، نبحث عن اسم جديد لنصف به ما لم يتغير.