الأب الروحي
06 Jun 202608:05 AM
الأب الروحي
ليس من باب التباهي أن أخطّ هذه السطور من دون مناسبة. ففي كل محطة روحية من حياتي أقف متأملًا في انطلاقتي النهضوية عبر حركة الشبيبة الأرثوذكسية في أواسط ثمانينيات القرن الماضي. هذه الحركة المباركة التي انطلقت ألسنتها الناريّة عام ١٩٤٢، وما زلنا ساجدين في علّية نهضتنا الروحية، منتظرين في كلّ لحظة من مفترقات حياتنا أن نتجدد بنعمة الروح القدس، وأن نحمل البشارة إلى كلّ نفس عطشى إلى الارتواء بماء الحياة النازل من أبي الأنوار.

لم يكن التزامي في حركة الشبيبة الأرثوذكسية تمضية للوقت أو ملء فراغ في يومياتي. التزامي كان نابعًا من محبتي لكنيستي الرسولية التي أسسها الرب يسوع المسيح يوم العنصرة.

كنا مجموعة من الشبيبة الملتزمة بحضور القداس الإلهي يوم الأحد، من دون التعمق في جوهر الحياة الروحية. وقد عطشت نفوسنا إلى معلمين يرشدوننا ويدربوننا على الحق. فطرقنا، في ذلك الوقت، باب المسؤولين في الحركة، فقادونا إلى البنوة لله من خلال آباء روحيين ومرشدين أتقياء، قدمونا إلى المعلم الحقيقي، إلى النبع الإلهي الذي وحده قادر، بروحه القدوس، على تجديد أعماق نفوسنا وإرشادنا إلى طريق القداسة.

لن أنسى فضل أولئك الأحبة الذين استشهد بهم المطران جورج خضر يوم سيامتي شماسًا، إذ قال بالحرف الواحد:

"أما التقوى فلن أكلمك عنها اليوم، لأنك بدأتها ونَمَوْتَ فيها، ونشّأت نفسك عليها، ونشّأك الأحبة عليها". 

هؤلاء الأحبة الذين نشأت بفضلهم بيننا علاقة إرشاد وتلمذة، رافقت مسيرتي نحو النضج النفسي والأخلاقي والروحي. فبذور الإيمان التي زرعتها يدا أمي وأبي تابَعَ رعايتها مرشدو الحركة، وأخذوا بيدي إلى آباء روحيين ساروا بنا سيرة حميدة ونهجًا قويمًا في تقديم حياتنا لخدمة المسيح. فغرفت من نبعهم القوة والشجاعة لنشر الإيمان، والنطق بكلمة الله لا بكلمات البشر.

ومن خلالهم تخطيت حدود الرعية إلى رحاب المدى الأنطاكي الواحد، حيث تبادلنا الخبرات، وأصبحنا نتكلم لغة واحدة، ونشبه بعضنا بعضًا في روح النهضة التي زرعتها نعمة الروح القدس في المؤسسين.

ليتنا نتتلمذ على آبائنا الروحيين الذين نحبهم ونثق بهم، فيكونون لنا قدوة في أسلوب الحياة، ونتمثل بهم في سلوكنا وروحانيتنا وانفتاحنا على الآخر. فالأبوة الروحية شأن عظيم، وقد قال الرسول بولس:

«لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لَكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ» (١ كورنثوس ٤: ١٥).

لقد ولدهم بولس روحيًا إذ آمنوا على يديه، ولذلك دعاهم إلى طاعته والثقة بتعليمه، عالمين أنه يحبهم كأب، وأنه يعلّم بمحبة لا بتسلط. وهذا يختلف عمن يسيئون فهم الأبوة الروحية أو يستغلونها لتعثير المؤمنين. فالأب الحقيقي هو من يسلك مسلك الرسول بولس، لأنه ولد أبناءه في المسيح. وفي هذا أيضًا رد على من يسيئون فهم قول السيد المسيح: «ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض» (متّى ٢٣: ٩).

فلنتقن اختيار آباء روحيين يعيشون بالتقوى والإيمان والمحبة والانفتاح، ولا ننقاد وراء من يعلّم تعاليم غريبة عن الكنيسة والمسيح، أو يكون همه الأول والأخير تكثير أتباعه لا أتباع المسيح، أو دفع أبنائه الروحيين إلى التطرف والانغلاق.

ونستذكر في هذه السطور المطران بولس بندلي، والأرشمندريت الياس مرقص، وكوكبة من الآباء الذين سبقونا إلى الملكوت، والذين تتلمذنا من خلالهم على معنى الأبوة الروحية ودورها وأهميتها. فقد تعلمنا منهم أن الأب الروحي ليس صاحب أوامر، بل رفيق درب وخبرة، يقدم النصح بحكمة وتجرد، ويساعد أبناءه على تجاوز الصعاب، وتزكية النفس، وتهذيب السلوك، وتحقيق النمو الداخلي. كما يهيئ لهم مساحة آمنة للمراجعة الصادقة مع الذات، ولتصحيح المسار كلما تعثرت الخطى أو زلت الأقدام.

فالأب الروحي، في أجمل معانيه، معراجٌ يقودنا إلى الآب السماوي، ودليلٌ أمين على درب الملكوت.

والسلام.