أزمة صامتة: عندما يفقد اللبناني وطنه الصغير
09 Jul 202615:53 PM
أزمة صامتة: عندما يفقد اللبناني وطنه الصغير
وسط كل الأزمات التي يرزح تحتها لبنان، بعضها إقليميٌّ مفروضٌ عليه، وبعضها داخليٌّ من صنع أبنائه، تُنسى قضيةٌ اجتماعيةٌ جوهريةٌ طالما أُهملت، رغم عمق أثرها في نسيج المجتمع: أزمة الانتماء والمشاركة. فبين ضغط الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة، يغيب عن النقاش العام سؤالٌ بسيط، لكنه مصيري: إلى أين ينتمي اللبناني فعلًا؟

شهد لبنان، على مدى تاريخه، تحوّلًا ديمغرافيًا واسعًا، إذ نزح عددٌ كبيرٌ من سكان القرى الجبلية إلى المدن الساحلية، بحثًا عن فرص عمل أفضل، أو سعيًا إلى التعليم، وخصوصًا التعليم الجامعي. وفي تلك الحقبة، استقرّ النازحون في مدنهم الجديدة من دون أن يفكروا في استكمال الإجراءات الإدارية المترتبة على هذا الانتقال، ومنها، على سبيل المثال، نقل قيدهم الإداري، ولو ضمن القضاء نفسه.

شكّل هذا الإغفال، على بساطته الظاهرية، خطأً ترتبت عليه تبعاتٌ عميقةٌ في حياة تلك العائلات، إذ أنجبت أطفالًا لا يعرفون قريتهم الأصلية إلا اسمًا على بطاقة الهوية، بينما أصبحوا، فعليًا، جزءًا لا يتجزأ من المدينة التي وُلدوا فيها، وترعرعوا، وتعلّموا، وبنوا فيها صداقاتهم وذكرياتهم. ويعدّ هؤلاء أنفسهم أبناء تلك البلدة بكل معنى الكلمة، بل إنهم مرتبطون بها إداريًا أيضًا من خلال دفع الرسوم البلدية المستحقة عليهم. ومع ذلك، يُحرمون من حقٍّ جوهريٍّ من حقوق المواطنة المحلية، وهو حق الانتخاب في البلدة التي يعيشون فيها فعلًا.

وانعكس هذا الواقع سلبًا على وضعهم الاجتماعي، فبما أنهم لا يُحتسبون ناخبين في بلديتهم الفعلية، يجري تهميشهم تلقائيًا في دوائر القرار المحلي والاهتمام البلدي، رغم أنهم، من ناحية أخرى، لا يعرفون شيئًا يُذكر عن قريتهم الأم التي يُفترض أنهم ينتمون إليها إداريًا. وهكذا يعيش هؤلاء الأفراد حالةً مزدوجةً من عدم الانتماء؛ فهم يجهلون تفاصيل القرية الأم، ولا يشعرون تجاهها بأي رابط عاطفي حقيقي، رغم أنها تطالبهم بالمشاركة في الانتخابات، وهي، في الغالب، الفرصة الوحيدة التي يُستذكرون فيها من قبل بلدتهم الأصلية. وفي المقابل، يشعرون بانتماء كامل وصادق إلى البلدة التي وُلدوا ونشأوا فيها، غير أن هذه البلدة، بدورها، لا تعترف بهم أبناءً كاملي الحقوق، ما داموا لا يشكلون رقمًا انتخابيًا مؤثرًا فيها. فصوتهم فيها غير مسموع، وحضورهم مهمَّش، رغم انتمائهم الفعلي والوجداني إليها.

من هنا تنشأ المعضلة الحقيقية: أين يوجّه هؤلاء الأفراد طاقاتهم وأفكارهم وعطاءهم؟ هل يستثمرونها في البلدة التي لا يشعرون تجاهها بأي انتماء حقيقي، لكنها تملك عليهم حقًا قانونيًا وانتخابيًا؟ أم في البلدة التي تحتضن حياتهم اليومية وذكرياتهم وهويتهم الاجتماعية، لكنها ترفض الاعتراف بهم جزءًا فاعلًا من مجتمعها المحلي؟

هذه الأزمة، وإن بدت شخصيةً أو فرديةً للوهلة الأولى، هي في جوهرها أزمةٌ بنيويةٌ تمسّ آلاف العائلات اللبنانية، وتكشف عن خللٍ عميقٍ في العلاقة بين الانتماء الإداري والانتماء الاجتماعي والوجداني. فحين يُختزل مفهوم الانتماء في مجرد قيد إداري وصوت انتخابي، تُفرغ فكرة “الوطن الصغير” من مضمونها الحقيقي، ويُترك آلاف الشباب معلّقين بين هويةٍ مفروضةٍ لا يعرفونها، وهويةٍ مُعاشةٍ لا يُعترف بها. ولعلّ معالجة هذه الإشكالية تبدأ بإعادة النظر في آليات القيد والانتخاب المحلي، بما يعكس واقع الناس الفعلي، لا مجردسجلاتهم الورقية القديمة.