حين يسجد الكاهن أمام المائدة المقدّسة يوم سيامته، يعيش لحظات تعجز الكلمات عن وصفها. إنها دقائق تتجاوز حدود الشعور الإنساني، لترتفع بالنفس إلى حضرة الله، حيث تنسكب عليه النعمة الإلهية، تلك النعمة التي "للمرضى تشفي وللناقصين تكمّل".
وعندما يصدح المؤمنون بعبارة: "مستحق"، تتناغم أصواتهم كأنها أصوات أجواق الملائكة المحتفّة بالكاهن الجديد. غير أن هذه اللحظات المهيبة لا تبلغ ذروتها إلا عندما يناوله الأسقف الحَمَل المُعدَّ للمناولة قائلًا: "خذ هذه الوديعة واحفظها سالمة إلى يوم مجيئي".
كلمات تُقال بلغة البشر، لكنها تقع على قلب المرتسم كألسنة نار، تحمله إلى عنصرة جديدة، وتحمّله أمانة سترافقه مدى الحياة.
ما أعظم تلك اللحظات، وما أثقل الرسالة التي تبدأ بعدها! فالكهنوت ليس منصبًا ولا وظيفة زمنية، بل سرّ مقدّس ورسالة سماوية. إنه دعوة إلى بذل الذات في سبيل خلاص النفوس، وأمانة سيُسأل عنها الكاهن أمام الله. فهو لن يُحاسَب على ما أنجزه فحسب، إنّما أيضًا على كل خير كان يستطيع أن يفعله ولم يفعله.
ومن هنا، تزداد مسؤولية الكاهن وثقل دينونته. فقد أقامه الله أبًا وراعيًا، يلاحظ أخطاء أبنائه، وينبّههم، ويرشدهم إلى طريق الحق، حتى لا يكون شريكًا في تقصيره عن خلاصهم. لذلك، مهما ثقلت على المؤمنين نصائح الكاهن أو توجيهاته أو حتى توبيخه، فإنها تبقى علامة محبة لا رغبة في السيطرة، وحرصًا على خلاص النفوس لا تدخّلًا في شؤونها. على المؤمن أن يدرك ان توجيه الكاهن هو توجيه صادر عن محبة أبوية، لا عن رغبة في السيطرة، وأن غايته شفاء الإنسان وبنيان الجماعة.
فالأب الحقيقي لا يصمت أمام الخطأ، بل يصحّح بمحبة، ويؤدّب بحكمة، لأن غايته ليست الإدانة، بل الشفاء والنمو. والكاهن، حين يعلّم ويوبّخ، إنما يفعل ذلك انطلاقًا من مسؤوليته الأبوية ومن محبته لرعيته، لا من رغبة في إرضاء نفسه.
والتأديب، وإن كان مؤلمًا، فهو طريق إلى النضج الروحي. أما ثماره فتتوقف على كيفية استقبالنا له. فمن يقبله بتواضع وإيمان يحوّل الألم إلى بركة، والعتاب إلى فرصة للنمو. لذلك يقول الرسول: "الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ" (عبرانيين ١٢: ٦). فالتأديب ليس علامة رفض، بل دليل بنوّة، لأن الله يؤدّب أبناءه ليقودهم إلى الحياة. أما رفض التأديب، فهو في جوهره رفض للتقويم الذي يريده الله، وإغلاق للقلب أمام نعمته. احترام الرعية لكاهنها يقوم على الثقة بأبوته الروحية، فيصير التنبيه الذي يقدمه دعوةً إلى التوبة والنمو، لا سببًا للنفور والانقسام.
لكن كما أن قبول التأديب يحتاج إلى تواضع، فإن ممارسته تحتاج أيضًا إلى حكمة ومحبة. فليكن كل توجيه «بلياقة وترتيب»، كما يعلّم الرسول، وليكن هدفه دائمًا البناء لا الهدم، والخلاص لا الإدانة.
واعلموا، أيها الأحبة، أن الكاهن الذي يجاهد من أجل خلاص نفسه لن يتهاون يومًا في السعي إلى خلاص رعيته. قد يُساء فهمه، وقد يُقاوَم، وقد تُنسب إليه النوايا الخاطئة، لكنه، إن كان أمينًا لدعوته، يبقى خادمًا لمشيئة الله لا لأهواء الناس. فالمهم أن يكون ضميره مستقيمًا أمام الله، لأن رضى الله هو غاية خدمته، لا استحسان البشر.
فليصلِّ المؤمنون من أجل كهنتهم، وليصلِّ الكهنة من أجل رعيتهم، حتى يسير الجميع معًا في طريق الخلاص، ويبلغوا إلى ملء قامة المسيح، لمجد الله وخير كنيسته. والسلام.
وعندما يصدح المؤمنون بعبارة: "مستحق"، تتناغم أصواتهم كأنها أصوات أجواق الملائكة المحتفّة بالكاهن الجديد. غير أن هذه اللحظات المهيبة لا تبلغ ذروتها إلا عندما يناوله الأسقف الحَمَل المُعدَّ للمناولة قائلًا: "خذ هذه الوديعة واحفظها سالمة إلى يوم مجيئي".
كلمات تُقال بلغة البشر، لكنها تقع على قلب المرتسم كألسنة نار، تحمله إلى عنصرة جديدة، وتحمّله أمانة سترافقه مدى الحياة.
ما أعظم تلك اللحظات، وما أثقل الرسالة التي تبدأ بعدها! فالكهنوت ليس منصبًا ولا وظيفة زمنية، بل سرّ مقدّس ورسالة سماوية. إنه دعوة إلى بذل الذات في سبيل خلاص النفوس، وأمانة سيُسأل عنها الكاهن أمام الله. فهو لن يُحاسَب على ما أنجزه فحسب، إنّما أيضًا على كل خير كان يستطيع أن يفعله ولم يفعله.
ومن هنا، تزداد مسؤولية الكاهن وثقل دينونته. فقد أقامه الله أبًا وراعيًا، يلاحظ أخطاء أبنائه، وينبّههم، ويرشدهم إلى طريق الحق، حتى لا يكون شريكًا في تقصيره عن خلاصهم. لذلك، مهما ثقلت على المؤمنين نصائح الكاهن أو توجيهاته أو حتى توبيخه، فإنها تبقى علامة محبة لا رغبة في السيطرة، وحرصًا على خلاص النفوس لا تدخّلًا في شؤونها. على المؤمن أن يدرك ان توجيه الكاهن هو توجيه صادر عن محبة أبوية، لا عن رغبة في السيطرة، وأن غايته شفاء الإنسان وبنيان الجماعة.
فالأب الحقيقي لا يصمت أمام الخطأ، بل يصحّح بمحبة، ويؤدّب بحكمة، لأن غايته ليست الإدانة، بل الشفاء والنمو. والكاهن، حين يعلّم ويوبّخ، إنما يفعل ذلك انطلاقًا من مسؤوليته الأبوية ومن محبته لرعيته، لا من رغبة في إرضاء نفسه.
والتأديب، وإن كان مؤلمًا، فهو طريق إلى النضج الروحي. أما ثماره فتتوقف على كيفية استقبالنا له. فمن يقبله بتواضع وإيمان يحوّل الألم إلى بركة، والعتاب إلى فرصة للنمو. لذلك يقول الرسول: "الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ" (عبرانيين ١٢: ٦). فالتأديب ليس علامة رفض، بل دليل بنوّة، لأن الله يؤدّب أبناءه ليقودهم إلى الحياة. أما رفض التأديب، فهو في جوهره رفض للتقويم الذي يريده الله، وإغلاق للقلب أمام نعمته. احترام الرعية لكاهنها يقوم على الثقة بأبوته الروحية، فيصير التنبيه الذي يقدمه دعوةً إلى التوبة والنمو، لا سببًا للنفور والانقسام.
لكن كما أن قبول التأديب يحتاج إلى تواضع، فإن ممارسته تحتاج أيضًا إلى حكمة ومحبة. فليكن كل توجيه «بلياقة وترتيب»، كما يعلّم الرسول، وليكن هدفه دائمًا البناء لا الهدم، والخلاص لا الإدانة.
واعلموا، أيها الأحبة، أن الكاهن الذي يجاهد من أجل خلاص نفسه لن يتهاون يومًا في السعي إلى خلاص رعيته. قد يُساء فهمه، وقد يُقاوَم، وقد تُنسب إليه النوايا الخاطئة، لكنه، إن كان أمينًا لدعوته، يبقى خادمًا لمشيئة الله لا لأهواء الناس. فالمهم أن يكون ضميره مستقيمًا أمام الله، لأن رضى الله هو غاية خدمته، لا استحسان البشر.
فليصلِّ المؤمنون من أجل كهنتهم، وليصلِّ الكهنة من أجل رعيتهم، حتى يسير الجميع معًا في طريق الخلاص، ويبلغوا إلى ملء قامة المسيح، لمجد الله وخير كنيسته. والسلام.