نظّمت ندوة حول مشروع قانون إلغاء عقوبة الاعدام في لبنان بدعوة من السفارة الايطالية، بالتعاون مع مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان UHCHR والهيئة اللبنانية للحقوق المدنية LACR،في حضور السفير الايطالي في لبنان فابريستو مارتشيللو، وزير العدل عادل نصار، رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية ميشال موسى، مؤسسة الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الاعدام في لبنان أوغاريت يونان وحقوقيين ومهتمين، في مقر السفارة الايطالية -بعبدا طريق القصر الجمهوري.
السفير الإيطالي
واستهل اللقاء بكلمة للسفير الايطالي فابريستو مارتشيللو، رحّب في مستهلها بالحاضرين، وقال: "يشرفنا أن نستضيف نقاش اليوم بالتعاون مع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والجمعية اللبنانية للحقوق المدنية، وجامعة اللاعنف وحقوق الإنسان. وأتوجه بالشكر الحار إلى جميع شركائنا الذين جعلوا هذه المبادرة ممكنة، ولا سيما أولئك الذين عملوا، على مدى سنوات طويلة، بعزم وقناعة لإبقاء قضية إلغاء عقوبة الإعدام على جدول الأعمال العام في لبنان.
ولفت إلى أننا "نجتمع اليوم في لحظة ذات أهمية خاصة"، وقال :"في الواقع، كان من المقرر أصلاً أن يُعقد هذا الحدث قبل يومين. وقد اخترنا عمداً تأجيله على أمل أن يكون مجلس النواب اللبناني قد اتخذ، بحلول موعد لقائنا، الخطوة التاريخية المتمثلة في إلغاء عقوبة الإعدام. إلا أن ذلك لم يحدث بعد. وبينما لا يمكننا اليوم الاحتفال بإقرار هذا الإصلاح المهم، فإنه لا ينبغي لنا أيضاً أن نعتبر غياب القرار النهائي انتكاسة. فالنقاش البرلماني لا يزال مفتوحاً، ومعه تبقى الفرصة متاحة أمام لبنان لاتخاذ خطوة مفصلية في مسيرة تعزيز حقوق الإنسان".
وأشار مارتشيللو إلى أنه "لأكثر من اثنين وعشرين عاماً، حافظ لبنان فعلياً على وقف تنفيذ أحكام الإعدام. ومع ذلك، لا تزال عقوبة الإعدام جزءاً من نظامه القانوني، كما واصلت المحاكم إصدار أحكام بالإعدام. وقد اجتاز مشروع القانون بنجاح مرحلة اللجان النيابية، وهو الآن بانتظار عرضه على الهيئة العامة. وبالتالي، فإن السؤال المطروح أمام البرلمان لم يعد ما إذا كان لبنان قادراً على العيش من دون تنفيذ أحكام الإعدام ــ فقد أثبت ذلك لأكثر من عقدين من الزمن ــ بل ما إذا كان ينبغي الآن ترجمة هذه الممارسة الراسخة إلى خيار تشريعي واضح ودائم".
وأوضح أن "لا أحد في هذه القاعة يستخف بالتحديات الأمنية الجسيمة التي واجهها لبنان على مدى سنوات طويلة، ولا بالمعاناة التي تسبب بها الإرهاب والعنف السياسي. ولأن هذه التحديات حقيقية بالفعل، فإن الخيارات التي تتخذها المؤسسات الديمقراطية تكتسب أهمية أكبر. وسواء اعتمد مجلس النواب هذا القانون في نهاية المطاف أم لا، فإن ذلك، بطبيعة الحال، قرار سيادي يعود حصراً إلى لبنان ومؤسساته الديمقراطية".
وأكد مارتشيللو أن "هدفنا اليوم ليس استباق ذلك القرار، بل تشجيع حوار مستنير، ومحترم، وفي الوقت المناسب، وشامل، حول مسألة تمس العدالة، والكرامة الإنسانية، ودور الدولة". وقال :"لقد اعتبرت إيطاليا منذ زمن بعيد أن إلغاء عقوبة الإعدام يشكل هدفاً أساسياً من أهداف حقوق الإنسان. وهذا الالتزام متجذر بعمق في قيمنا الدستورية، وقد وجّه عملنا الدولي على مدى عقود".
أضاف :"وقد بادرت بلادنا، بكل فخر، إلى طرح أول قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو إلى وقف عالمي لتنفيذ أحكام الإعدام عام 2007. ومنذ ذلك الحين، بقيت إيطاليا من أبرز الداعمين لهذه المبادرة، انطلاقاً من قناعتها بأن احترام الحياة والعدالة ليسا قيمتين متناقضتين، بل إن كلّاً منهما يعزز الآخر، وعلى الرغم من الانتكاسات التي شهدتها بعض أنحاء العالم، فإن الاتجاه العالمي لا يزال يسير نحو إلغاء عقوبة الإعدام. واليوم، فإن غالبية واضحة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قد ألغت عقوبة الإعدام أو لم تعد تنفذ أحكامها. ويعكس ذلك قناعة دولية متنامية بأن العدالة قادرة على حماية المجتمع مع الاحترام الكامل للكرامة الإنسانية .فعلى مدى أكثر من عقدين، أثبت البلد أن الأمن العام وغياب تنفيذ أحكام الإعدام لا يتعارضان. ولذلك، فإن النقاش التشريعي الحالي لا ينطلق من نظرية، بل من ممارسة مؤسساتية معاشة. ومن المناسب، في هذه المناسبة، الإشادة بالدور البنّاء الذي اضطلعت به لجنة الإدارة والعدل، ولجنة حقوق الإنسان النيابية برئاسة سعادة النائب ميشال موسى. فمن خلال العمل الدؤوب عبر مختلف الانتماءات السياسية، ساعدت اللجنة على ضمان تقدم هذا الاقتراح ضمن المسار البرلماني، وأن يحظى بالعناية المؤسسية التي تستحقها قضية بهذا القدر من الأهمية الدستورية والأخلاقية".
وقال: "فلبنان منخرط في عملية طموحة لإعادة بناء مؤسساته وتعزيز ثقة المواطنين بسيادة القانون. ومن الطبيعي أن تصبح الإصلاحات التشريعية التي تعزز مصداقية النظام القضائي وعدالته وإنسانيته جزءاً من ذلك الجهد الوطني الأشمل. فالعدالة لا تُقاس فقط بقدرتها على معاقبة مرتكبي الجرائم، بل أيضاً بقدرتها على صون القيم التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية"،لافتا إلى أن "السفارات هي أماكن للدبلوماسية، لكنها ينبغي أيضاً أن تكون أماكن للحوار.ويشرفنا أن يكون ممثلو السلطة التنفيذية، والبرلمان، والسلطة القضائية، والأمم المتحدة، والمجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية قد لبّوا دعوتنا للتفكير معاً في هذه القضية المهمة"، وقال :"وعلى الرغم من أن البرلمان لم يحسم موقفه بعد، فإن مناقشة اليوم لا تقل أهمية أو راهنية. بل على العكس، فهي تأتي في وقت لا يزال فيه التأمل العام المستنير قادراً على مواكبة المسار الديمقراطي. وأنا على ثقة بأن تبادل الآراء هذا الصباح سيكون متأنياً، ومحترماً، ومثمراً بفضل تنوع الخبرات التي يمثلها الحاضرون في هذه القاعة".
ثم كانت كلمة لوزير العدل عادل نصار، قال فيها :"أتحدث إليكم اليوم بشعور عميق من خيبة الأمل والإحباط، ولكن أيضاً بعزيمة لا تتزعزع.أتحدث إليكم بخيبةٍ من النوع الذي قد يزرع الشك، ولكن بقناعة راسخة بأن الرداءة يجب ألّا تنتصر أبداً. وحتى حين يبدو أنها تحقق تقدماً، علينا أن نواصل مقاومتها إلى أن ننتصر. أتحدث إليكم مستحضراً كلمات أديب أكنّ له إعجاباً كبيراً، ألبير كامو، الذي كتب بحكمة: "ينبغي أن نتخيّل سيزيف سعيداً". أعتذر من كامو، لكنني لست سعيداً. ومع ذلك، سيبلغ سيزيف هدفه في نهاية المطاف، لأننا نرفض الاستسلام للقدر المحتوم".
ثم تحدث النائب ميشال موسى، وقال :"اليوم، أتحدث إليكم اليوم دفاعاً عن الإلغاء الكامل وغير المشروط لعقوبة الإعدام في تشريعاتنا. لم ينفذ لبنان أي حكم بالإعدام منذ السابع عشر من كانون الثاني عام 2004. وعلى مدى أكثر من اثنين وعشرين عاماً، عشنا عملياً في ظل وقف لتنفيذ أحكام الإعدام. لقد اتخذنا بالفعل، من دون أن نعلن ذلك صراحة، الخطوة الحاسمة. واليوم، حان الوقت لترسيخ هذا الواقع في القانون، وتحويل هذه الممارسة إلى مبدأ دستوري وقانوني. إن إلغاء عقوبة الإعدام ليس علامة ضعف، بل هو دليل على القوة الأخلاقية والنضج الديمقراطي".
في وطننا، أرض العيش المشترك والقيم المسيحية والإسلامية، تُعد الحياة مقدسة. فهل يعقل أن تحتفظ الدولة بحق القتل بصورة قانونية؟ إن الدولة التي تحظر القتل لا يجوز لها أن ترتكب بنفسها الفعل الذي تعاقب عليه. إنها مفارقة أخلاقية لا يمكن احتمالها.
الحجة الثانية: إن عقوبة الإعدام غير فعالة ولا تحمي المجتمع. فقد أثبتت أهم الدراسات الدولية، التي أجرتها الأمم المتحدة والعديد من معاهد علم الإجرام، أن عقوبة الإعدام لا تحقق أثراً رادعاً يفوق أثر السجن المؤبد. بل إن الجرائم الخطيرة تقع بالوتيرة نفسها، إن لم تكن أكثر، في الدول التي تطبقها. وفي لبنان، فإن اعدام شخص مدان بعد سنوات من الانتظار لا يحل شيئاً. فهو لا يعيد الضحايا إلى الحياة، ولا يردع المجرمين المنظمين الذين يدركون في كثير من الأحيان أنهم قادرون على الإفلات من العدالة. إن الحماية الحقيقية تكمن في إصلاح النظام القضائي، وتعزيز القوى الأمنية، ومكافحة الفقر والإقصاء، اللذين يشكلان البيئة الحاضنة الحقيقية للجريمة.
الحجة الرابعة: إن عقوبة الإعدام تمييزية وتكرس أوجه عدم المساواة. ففي بلدنا، كما في غيره، تطال عقوبة الإعدام بصورة غير متناسبة الفئات الأكثر فقراً، ومن لا يستطيعون تحمل كلفة دفاع قانوني جيد، والأجانب، وبعض الفئات المجتمعية. أما أصحاب النفوذ، أو المجرمون السياسيون، أو الذين يتمتعون بالحماية، فكثيراً ما يفلتون من العقوبة القصوى".
وختم موسى :"لذلك، أدعوكم، زملائي الأعزاء، إلى دعم مشروع هذا القانون. صوّتوا لمصلحة الإلغاء. وليقف لبنان، مرةً وإلى الأبد، في صف الدول التي اختارت التقدم الأخلاقي. فالتاريخ لن يحكم علينا بقدرتنا على إنزال عقوبة الموت، بل بقدرتنا على حماية حياة كل إنسان وكرامته. عاش لبنان.وعاشت عدالة تليق بشعبنا".