السيّد من أنقرة: العودة الآمنة والمستدامة إلى سوريا مسؤولية إقليمية مشتركة
21 Jul 202620:01 PM
السيّد من أنقرة: العودة الآمنة والمستدامة إلى سوريا مسؤولية إقليمية مشتركة

 

شاركت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، في المنتدى الإقليمي المنعقد في العاصمة التركية أنقرة بعنوان "آفاق العودة الآمنة والمستدامة إلى سوريا"، إلى جانب عدد من الوزراء وكبار المسؤولين من دول المنطقة، حيث عرضت لرؤية لبنان لمعالجة ملف النزوح السوري في ضوء المتغيرات السياسية الأخيرة، مؤكدة أن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من إدارة تداعيات الأزمة إلى بناء حلول إقليمية مستدامة.

وأكدت الوزيرة السيد في كلمتها أن "العلاقات اللبنانية السورية دخلت مرحلة جديدة تقوم على احترام سيادة الدولتين والتعاون عبر المؤسسات الرسمية"، مشيرة إلى أن "هذا التوجه تُرجم إلى تعاون عملي في تنفيذ خطة العودة المستدامة للسوريين إلى وطنهم، إلى جانب التنسيق في الملفات الأمنية والقضائية وإدارة الحدود وتبادل المعلومات".
وأوضحت أن "لبنان تحمل خلال السنوات الماضية أعباء استثنائية نتيجة استضافة أكبر عدد من اللاجئين نسبة إلى عدد السكان في العالم، في ظل أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، وحربين واسعتين خلال أقل من عامين، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الدولة والبنى التحتية والمجتمعات المحلية".

وعرضت السيد لخطة الحكومة اللبنانية لمعالجة ملف النزوح السوري، التي أقرها مجلس الوزراء وبدأ تنفيذها في تموز 2025، والتي "تجمع بين احترام الالتزامات الإنسانية وصون المصلحة الوطنية والسيادية للبنان، بالتعاون مع سوريا والأمم المتحدة والشركاء الدوليين"، مشيرة إلى "إغلاق ملفات أكثر من 655 ألف نازح سوري حتى نهاية حزيران 2026 وفق الآليات المعتمدة".
وشددت على أن "العودة المستدامة لا تقتصر على عبور الحدود، بل تتطلب توفير السكن والخدمات الأساسية وفرص العمل داخل سوريا، داعية إلى تحويل التمويل الدولي تدريجياً من إدارة النزوح إلى دعم التعافي وإعادة الإعمار في مناطق العودة، وإنشاء إطار إقليمي للتنسيق بين سوريا ولبنان وتركيا والعراق والأردن، بالتعاون مع الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية".
وأكدت أن "استقرار سوريا يشكل مصلحة مباشرة للبنان والمنطقة، كما أن استقرار لبنان شرط أساسي لإنجاح العودة، مشددة على أن المطلوب ليس نزوحاً دائماً بلا أفق، ولا عودة شكلية تنتهي بنزوح جديد، بل عودة حقيقية تحفظ كرامة السوريين، وتعزز سيادة سوريا، وتخفف الأعباء عن لبنان، وتدعم الاستقرار الإقليمي".

وجاء في نص كلمة الوزيرة السيد: "يشرفني، باسم الجمهورية اللبنانية، أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى الجمهورية التركية، قيادة وحكومة وشعبا، على استضافة هذا المنتدى الإقليمي المهم.
لا نجتمع اليوم لمناقشة ملف تقني يتعلق بحركة الأشخاص والحدود فحسب، بل لمناقشة أحد أبرز التحديات السياسية والإنسانية في منطقتنا: كيف ننتقل من إدارة تداعيات الأزمات إلى بناء حلول مشتركة تعيد الاستقرار إلى دولنا، وتحفظ سيادتها، وتصون كرامة شعوبها؟
وتكتسب استضافة أنقرة لهذا المنتدى أهمية خاصة، لما تؤديه تركيا من دور محوري في المنطقة، ولما راكمته من خبرات في إدارة الهجرة والكوارث، وإعادة تأهيل البنى التحتية، والإسكان، والتنمية المحلية.
كما وقفت تركيا إلى جانب لبنان خلال الظروف الصعبة والحروب التي مر بها، وقدمت له دعما إنسانيا وإغاثيا نقدره عاليا. ونتطلع اليوم إلى تطوير هذه العلاقة، والاستفادة من الخبرات التركية في إعادة الإعمار، والاستجابة للكوارث، وإعادة تنشيط المناطق المتضررة.

أصحاب المعالي والسعادة، يتطلع الشعب السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح، إلى مرحلة جديدة يسودها الأمن والاستقرار، ويتمكن فيها السوريون من العودة والمشاركة في إعادة بناء وطنهم.
لقد دخلت العلاقات اللبنانية السورية مرحلة جديدة، وشكلت زيارة دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام إلى دمشق ولقاؤه فخامة الرئيس أحمد الشرع محطة أساسية في إعادة بناء هذه العلاقة على قواعد واضحة، تقوم على احترام سيادة الدولتين واستقلالهما، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون من خلال المؤسسات الشرعية، ومعالجة الملفات المشتركة بالحوار والمصلحة المتبادلة.
إن ما نسعى إليه هو علاقة ندية وشفافة بين دولتين مستقلتين، تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.
وقد ترجم هذا التوجه إلى تعاون عملي في ملفات عدة، وفي مقدمتها تنفيذ خطة العودة المستدامة للسوريين إلى وطنهم، إلى جانب إطلاق حوار في الملفات الاقتصادية والأمنية والقضائية. وفي هذا الإطار، سلمت السلطات اللبنانية إلى دمشق عددا من المحكومين السوريين، على أن يستكمل نقل المؤهلين المتبقين وفقا للاتفاقية بين البلدين.
كما يتواصل التنسيق بصورة إيجابية بين الحكومتين والوزارات والأجهزة المعنية فيما يتعلق بإدارة الحدود، والوثائق، وتحديث قواعد البيانات، وتبادل المعلومات وفق الأصول القانونية. ويشكل هذا التنسيق أساسا لضمان دقة المعلومات، وتسهيل إجراءات العائدين، والحد من ازدواجية التسجيل والتحايل، ومتابعة أوضاعهم بعد العودة.
فنجاح العودة لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يعبرون الحدود، بل بقدرتهم على البقاء والاستقرار، وعدم الاضطرار إلى النزوح مجددا.

أصحاب المعالي والسعادة، تحمل لبنان خلال السنوات الماضية أعباء استثنائية. وتقدر الحكومة أن العدد الأقصى للاجئين السوريين في لبنان وصل إلى 1.12 مليون، أي ما يوازي تقريبا واحدا من كل خمسة أشخاص مقيمين في البلاد. وبذلك يكون لبنان، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الدولة التي استضافت أكبر عدد من اللاجئين نسبة إلى عدد سكانها في العالم.
وقد استضاف لبنان هذه الأعداد في ظل أزمة اقتصادية ومالية واجتماعية قاسية، وانهيار في الخدمات العامة والبنى التحتية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
وفوق ذلك، واجه لبنان حربين واسعتين خلال أقل من عامين. فبعد حرب عام 2024 وما خلفته من دمار ونزوح داخلي، جاءت حرب عام 2026 لتفرض موجة جديدة من النزوح، وتزيد الضغط على الدولة والبلديات والمجتمعات المحلية، وتؤخر جهود التعافي وإعادة الإعمار.
إن استقرار لبنان شرط أساسي لانتظام العودة، كما أن استقرار سوريا وقدرتها على استقبال أبنائها يشكلان مصلحة لبنانية وإقليمية مباشرة.

أصحاب المعالي والسعادة، اعتمدت حكومة الرئيس نواف سلام خطة واضحة لمعالجة ملف النزوح السوري، تجمع بين احترام الالتزامات الإنسانية، وصون المصلحة الوطنية والسيادية للبنان، والتعاون مع سوريا والأمم المتحدة والشركاء الدوليين.
وقد أقرت الخطة في مجلس الوزراء في 16 حزيران 2025، وبدأ تنفيذها في الأول من تموز 2025. وتضمنت تسهيلات إدارية ولوجستية، والإعفاء من الرسوم والغرامات، وتسهيل العبور عبر المعابر الحدودية، وتقديم المساعدة المالية واللوجستية للعائدين، سواء ضمن العودة الذاتية أو المنظمة.
كما ركزت الخطة على تحديث قواعد البيانات، وتبادل المعلومات، وإغلاق ملفات الأشخاص الذين غادروا لبنان. وحتى نهاية حزيران 2026، أغلقت ملفات 655,732 نازحا سوريا وفقا للآليات المعتمدة.
لكن العودة لا يمكن أن تكون مجرد انتقال جغرافي أو إغلاق ملف إداري. فهي تتطلب مسكنا آمنا، ومدرسة، ومركزا صحيا، ووثائق قانونية، وفرصة للعمل والإنتاج. ولذلك يجب أن ترتبط العودة بالتعافي، وإعادة الإعمار، ودعم المجتمعات المستقبلة داخل سوريا.
من هنا، يدعو لبنان إلى الانتقال من تقاسم أعباء النزوح إلى تقاسم الحلول. وهذا يتطلب إطارا إقليميا يجمع الدول المعنية، وفي مقدمتها سوريا وتركيا ولبنان والعراق والأردن، بالتعاون مع الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية.
ويجب أن يشمل هذا الإطار تنسيقا حكوميا منتظما، وتبادلا آمنا للمعلومات، ودعما لإعادة الإعمار في مناطق العودة، واستثمارات في الإسكان والتعليم والصحة والمياه والكهرباء، إلى جانب تنظيم حركة العمالة، وإدارة الحدود، ومكافحة التهريب والاتجار بالبشر.
كما ينبغي توجيه جزء من التمويل الدولي نحو التعافي والمجتمعات المستقبلة داخل سوريا. فتمويل العودة لا يجب أن يقتصر على النقل والمساعدة الانتقالية، بل يجب أن يكون استثمارا حقيقيا في الاستقرار، ومنع موجات نزوح جديدة.
وفي الوقت نفسه، يجب عدم التخلي عن لبنان والدول المضيفة خلال المرحلة الانتقالية، ولا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية، والحروب المتكررة، وتراجع التمويل الإنساني.

أصحاب المعالي والسعادة، يجدد لبنان التزامه العمل مع الجمهورية العربية السورية، ومع الجمهورية التركية، ومع أشقائه وشركائه، لترجمة الإرادة السياسية القائمة إلى خطوات عملية.
لا نريد نزوحا دائما بلا أفق، ولا عودة شكلية تنتهي بنزوح جديد. ما نريده هو عودة حقيقية تحفظ كرامة السوريين، وتعزز سيادة سوريا، وتخفف الأعباء عن لبنان، وتخدم الاستقرار الإقليمي.
إن سوريا آمنة ومستقرة وقادرة على احتضان أبنائها هي مصلحة للبنان وتركيا والمنطقة. وإن لبنان مستقرا وقادرا على النهوض وإعادة الإعمار هو أيضا مصلحة إقليمية مشتركة.
فالعودة الآمنة والمستدامة ليست نهاية أزمة فحسب، بل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار، والتنمية، والتعاون بين دول المنطقة. شكرا لكم".