راجح ويزيد
28 Jul 202606:08 AM
راجح ويزيد
نداء الوطن

سامر زريق

نداء الوطن
يلاحظ في الأيام الأخيرة تصاعد حملة منظمة تشنها الماكينة الإعلامية الممانعة على السعودية، تركز على الأمير يزيد بن فرحان كهدف مركزي حولته إلى بند ثابت في سياساتها التحريرية. هذه الحملة تسعى إلى هندسة صورة ذهنية محددة في الوعي الجمعي تروم إحياء النموذج المنفّر الذي مثله غازي كنعان ورستم غزالي، وإسقاطه على الدور السعودي لتغدو المملكة ويكأنها تعيد إنتاج نمط الوصاية السورية وفق قاعدة "يتغير الوصي وتبقى الوصاية"، والتي تجد أرضية خصبة في ذاكرة جمعية لا تزال مثقلة بتجربة "عنجر".

لهذا يجري إغراق الفضاء الإعلامي بمرويات متناسلة تتحدث عن حضور الأمير يزيد في كل كبيرة وصغيرة من تفاصيل اليوميات السياسية اللبنانية. من التعيينات الإدارية والقضائية، إلى الإطلالات الإعلامية والمواقف السياسية، وصولًا إلى قصص سوريالية تبلغ حد العبث، كالإيحاء بأنه يوجه مدعي عام التمييز لفتح ملف بحق صحافي، أو يتابع مع مختار في بلدة حدودية معاملة إدارية، فضلاً عن تواصله اليومي مع كبار المسؤولين وصغار الموظفين.

لا ريب أن تكرار هذه المرويات يمنحها قدرة على التسلل إلى الوعي الجمعي. بيد أنها تنهار عند جمع عناصرها في مشهد واحد. فهي تفترض أن الرجل متفرغ بالكلية لإدارة تفاصيل الحياة اللبنانية وهندستها، فيما موقعه الحقيقي، وطبيعة مهمته، ومساحة مسؤولياته الإقليمية والدولية، تجعل هذا التصور أقرب إلى الخيال السياسي الخصب منه إلى الواقع.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا إذا ما قورن بحضور الأمير يزيد الفعلي، حيث لا صور، لا تصريحات، لا تسريبات مقصودة، بل إن بعض وسائل الإعلام لا تزال تخطئ في استخدام صور لا تعود له عند تغطية أخبار زياراته القليلة إلى لبنان، في مفارقة تكشف حجم الهوّة بين الصورة التي تعمل الدعاية الممانعة على رسمها، وبين الواقع الفعلي. فالأمير يزيد يعمل على مستوى مختلف يشتمل على إعادة صياغة التوازنات، ورسم قواعد المرحلة الانتقالية، وضبط إيقاع العملية السياسية بما ينسجم مع رؤية المملكة وسياستها الخارجية، دون الولوج إلى تفاصيل التركيبة اللبنانية.

في هذا المعنى، يغدو الأمير يزيد أقرب إلى لاعب الارتكاز في كرة القدم الحديثة. فهو لا يلفت الأنظار بقدر ما يتحكم بإيقاع المباراة، يحدد سرعتها، ويوسع مساحات الحركة، ويفتح زوايا الملعب، ويرسل التمريرات الحاسمة و"المقشرة" التي تتيح للآخرين تسجيل الأهداف. وما زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض، وزيارته المقبلة إلى تركيا، وكذلك زيارة الرئيس نواف سلام إلى دمشق وأنقرة، ومسار إعادة معادلة الحكم، إلا محطات ضمن نسق سياسي متدرج يرتكز على صناعة الظروف المناسبة لا صناعة المشهد نفسه.

في كأس العالم الأخيرة، لم يكن عبثًا منح قائد المنتخب الإسباني رودري جائزة أفضل لاعب في العالم على حساب الساحر ميسي، رغم أنه ليس الأكثر تسجيلًا للأهداف، ولا الأكثر ظهورًا أمام الكاميرات. لكنه كان القطعة الأساسية التي يدور حولها إيقاع الفريق. وفي السياسة كما في كرة القدم، لا يحسم المباراة أكثر اللاعبين صخبًا بل من يفرض نسقها، ويجبر الآخرين على اللعب وفق إيقاعه.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يصر "الحزب" على رسم هذه الصورة؟

الجواب أن الأمير يزيد في مخيال "الحزب" هو مهندس "اتفاق الإطار" الذي يشدّ الخناق عليه. من هذا المنطلق يمكن فهم تزامن حملته مع إعادة تحريك الحوثيين بعد خمود، بموازاة محاولة افتعال روايات وفضائح وهمية بحق أشخاص معينين ونسبها للرجل. الأمر الذي يكشف أن الهدف هو سياسي – استراتيجي، حيث يسعى "الحزب" للضغط على السعودية لإبطاء مسار تطبيق الاتفاق ومفاعيله، بعدما أخفقت المناورات الإيرانية في إنتاج مسارات موازية تخلط الأوراق وتفتح "كوّات" حماية لأذرعه.

يتشارك "الحزب" تصعيد الحملة عن يمينه ويساره، شخصيات و"أعمدة" سياسية أدمنت الابتزاز السياسي، وترى في المتغيرات الجارية تهديدًا مباشرًا لمنافعها. ومنها حسبما تكشف مرجعية سياسية، النائب جميل السيد الذي يحاول إعادة تدوير دوره عبر تزويد عناصر الماكينة الإعلامية الممانعة بخبريات مصطنعة، اعتقادًا منه أن الابتزاز يبقيه في الملعب. لكنه، كما غيره، يقرأ من كتاب طويت صحائفه لحساب "راجح" في أوبريت "بياع الخواتم" الذي بغيابه تُكال إليه الإشاعات، بينما يتبين في النهاية أنه يبيع خواتم الإلفة والوئام.