داود رمال
أخبار اليوم
لم تحمل الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة، التي انعقدت في سفارة الولايات المتحدة الأميركية في العاصمة الإيطالية روما، اختراقاً سياسياً حاسماً، لكنها كشفت بوضوح أن العملية التفاوضية انتقلت إلى مستوى جديد يتجاوز إدارة الأزمة نحو محاولة بناء إطار متكامل لترتيبات أمنية وسياسية طويلة الأمد على الحدود الجنوبية. فالمباحثات لم تعد تقتصر على معالجة تداعيات الحرب أو تثبيت وقف إطلاق النار، بل باتت تتناول بصورة متدرجة الأسس القانونية والعسكرية والمؤسساتية التي يمكن أن تحكم العلاقة الحدودية في المرحلة المقبلة، وهو ما يفسر حجم التفاصيل التقنية التي احتلت القسم الأكبر من الجولة الأخيرة.
ويعكس هذا التطور اعتماد الوسيط الأميركي مقاربة تقوم على الفصل بين المسارات، بحيث يتم تحقيق أكبر قدر ممكن من التفاهمات التقنية قبل الانتقال إلى القرارات السياسية الأكثر حساسية. ومن هنا، اكتسب إنجاز البحث في المفاهيم والمصطلحات المرجعية بين الأطراف الثلاثة أهمية استثنائية، لأن الاتفاق على اللغة التفاوضية الموحدة يمثل المدخل الطبيعي لأي تفاهم لاحق، ويحد من تضارب التفسيرات الذي غالباً ما يعرقل تنفيذ الاتفاقات الأمنية.
وفي السياق نفسه، يشير إنجاز المسح الجغرافي الكامل للمنطقة المحتلة على الخرائط العسكرية إلى أن المفاوضات دخلت مرحلة التخطيط التنفيذي، بعدما أصبح النقاش يدور حول كيفية تطبيق أي اتفاق ميداني وليس حول مبدأ التفاوض نفسه. إلا أن عدم استكمال البحث في الجدول التسلسلي للمناطق النموذجية، بانتظار قرار المستوى السياسي، يؤكد أن الوفود العسكرية استنفدت إلى حد بعيد هامشها التقني، وأن الكرة أصبحت في ملعب صناع القرار السياسي لدى الجانبين.
وتبرز هنا قضية "المناطق النموذجية" باعتبارها المؤشر الأكثر دلالة على طبيعة الخلاف القائم. فلبنان ينطلق من رؤية تعتبر أن أي تقدم يجب أن يقود إلى انتقال سريع نحو مناطق جديدة بما يسرّع عملية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، بينما تتمسك إسرائيل بمنهجية مختلفة تقوم على اختبار نجاح المرحلتين الأوليين واستكمال عمليات "التحقق" قبل الانتقال إلى أي مرحلة جديدة. ولا يعكس هذا الخلاف اختلاف الآليات فقط، بل يكشف تبايناً جوهرياً في فلسفة التفاوض؛ إذ يسعى لبنان إلى منع تحويل المراحل التجريبية إلى واقع دائم، فيما تحاول إسرائيل ربط كل خطوة بضمانات أمنية إضافية تمنحها هامشاً أوسع للتحكم بإيقاع التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، يكتسب استمرار البحث في تحديد الطرف الثالث المسؤول عن التحقق أهمية مضاعفة، لأن وظيفة هذا الطرف لن تقتصر على الرقابة التقنية، بل ستشكل إحدى ركائز الثقة المتبادلة بين الطرفين. والوصول إلى لائحة مختصرة من الجهات المرشحة يعكس تقدماً فعلياً، لكنه يبقى مرتبطاً بالتوافق السياسي على هوية الجهة التي ستتمتع بالمصداقية والقدرة على فرض تقاريرها كمرجعية ملزمة.
أما في الملف الإنساني، فإن تبادل اللوائح الأولية للأسرى، مقروناً بالإصرار اللبناني على إطلاق الدفعة الأولى بأسرع وقت، يكشف أن بيروت تسعى إلى تحقيق إنجاز ملموس يعزز الثقة الداخلية بمسار التفاوض، ويؤكد أن العملية لا تقتصر على ترتيبات أمنية مجردة، بل تمتد إلى معالجة الملفات الإنسانية التي تشكل جزءاً أساسياً من أي تسوية مستدامة.
تكشف نتائج جولة روما أن النقاش تجاوز حدود معالجة الوضع الميداني الراهن، ليتحول إلى بحث في شكل النظام الأمني الذي سيحكم الحدود اللبنانية الإسرائيلية خلال السنوات المقبلة. ويبرز ذلك من خلال الاتفاق على اللجوء إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد يشكل المرجعية الأممية لمرحلة ما بعد قوات "اليونيفيل"، في مؤشر إلى وجود إدراك مشترك بأن الإطار الدولي الحالي قد لا يكون كافياً لاستيعاب التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة.
ولا يقتصر الأمر على البحث عن مرجعية أممية جديدة، بل يمتد إلى مناقشة اتفاق أمني جديد ينظم العلاقة الحدودية ويحدد قواعد الاشتباك وآليات الرقابة والتنفيذ. وهنا يبرز خلاف آخر يتعلق بالمرجعية القانونية لهذا الاتفاق؛ فبينما يطرح خيار الأمم المتحدة بما تمنحه من شرعية دولية، يبرز في المقابل خيار الضمانات الأميركية باعتبارها الطرف الأكثر انخراطاً في الوساطة والأقدر على متابعة التنفيذ ميدانياً. ويعكس هذا النقاش إدراكاً بأن أي تفاهم لن يكون قابلاً للحياة ما لم يقترن بمرجعية قانونية واضحة وآلية تنفيذ تحظى بثقة جميع الأطراف.
وفي موازاة ذلك، جاء الوعد الأميركي بتقديم أجوبة حول ملف وقف إطلاق النار ليؤكد أن واشنطن لا تزال تمسك بالمفاتيح الأساسية للمفاوضات، وأنها تحاول إدارة التقدم التدريجي عبر معالجة كل ملف على حدة، بما يمنع انهيار العملية التفاوضية نتيجة الخلافات السياسية الكبرى. كما أن استمرار التواصل الأميركي المنفصل مع بيروت وتل أبيب بين الجولات يعكس اعتماد دبلوماسية مكوكية تهدف إلى تضييق هوة المواقف قبل العودة إلى الطاولة المشتركة.
وعلى الرغم من أن الأول من أيلول طُرح موعداً مبدئياً لجولة جديدة، فإن هذا التاريخ يبدو أقرب إلى محطة تنظيمية منه إلى موعد حاسم، إذ إن انعقاد الجولة المقبلة سيبقى رهناً بمدى نجاح الوساطة الأميركية في الحصول على مواقف سياسية أكثر مرونة من الطرفين. فالمفاوضات وصلت إلى مرحلة لم تعد تعاني نقصاً في الحلول التقنية، بل أصبحت تصطدم بالحسابات السياسية والأمنية التي تحدد سقوف التنازلات الممكنة.
وبذلك، يمكن القول إن جولة روما لم تنتج اتفاقاً نهائياً، لكنها أسست لبنية تفاوضية متقدمة قد تشكل قاعدة لأي تسوية مستقبلية. فقد نجحت في تضييق الفجوة على المستوى العسكري والتقني، فيما بقيت الملفات السياسية الكبرى، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار، وآلية الانسحاب، والضمانات الدولية، والمرجعية القانونية، معلقة بانتظار قرار سياسي لم تنضج ظروفه بالكامل بعد. وهذا ما يجعل مسار التفاوض مفتوحاً على احتمالين متوازيين: إما البناء على التقدم التقني للوصول إلى اتفاق تدريجي، وإما بقاء هذا التقدم مجمداً إذا استمرت الاعتبارات السياسية والإقليمية في تجاوز قدرة الوسطاء على إنتاج تسوية نهائية.
ويعكس هذا التطور اعتماد الوسيط الأميركي مقاربة تقوم على الفصل بين المسارات، بحيث يتم تحقيق أكبر قدر ممكن من التفاهمات التقنية قبل الانتقال إلى القرارات السياسية الأكثر حساسية. ومن هنا، اكتسب إنجاز البحث في المفاهيم والمصطلحات المرجعية بين الأطراف الثلاثة أهمية استثنائية، لأن الاتفاق على اللغة التفاوضية الموحدة يمثل المدخل الطبيعي لأي تفاهم لاحق، ويحد من تضارب التفسيرات الذي غالباً ما يعرقل تنفيذ الاتفاقات الأمنية.
وفي السياق نفسه، يشير إنجاز المسح الجغرافي الكامل للمنطقة المحتلة على الخرائط العسكرية إلى أن المفاوضات دخلت مرحلة التخطيط التنفيذي، بعدما أصبح النقاش يدور حول كيفية تطبيق أي اتفاق ميداني وليس حول مبدأ التفاوض نفسه. إلا أن عدم استكمال البحث في الجدول التسلسلي للمناطق النموذجية، بانتظار قرار المستوى السياسي، يؤكد أن الوفود العسكرية استنفدت إلى حد بعيد هامشها التقني، وأن الكرة أصبحت في ملعب صناع القرار السياسي لدى الجانبين.
وتبرز هنا قضية "المناطق النموذجية" باعتبارها المؤشر الأكثر دلالة على طبيعة الخلاف القائم. فلبنان ينطلق من رؤية تعتبر أن أي تقدم يجب أن يقود إلى انتقال سريع نحو مناطق جديدة بما يسرّع عملية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، بينما تتمسك إسرائيل بمنهجية مختلفة تقوم على اختبار نجاح المرحلتين الأوليين واستكمال عمليات "التحقق" قبل الانتقال إلى أي مرحلة جديدة. ولا يعكس هذا الخلاف اختلاف الآليات فقط، بل يكشف تبايناً جوهرياً في فلسفة التفاوض؛ إذ يسعى لبنان إلى منع تحويل المراحل التجريبية إلى واقع دائم، فيما تحاول إسرائيل ربط كل خطوة بضمانات أمنية إضافية تمنحها هامشاً أوسع للتحكم بإيقاع التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، يكتسب استمرار البحث في تحديد الطرف الثالث المسؤول عن التحقق أهمية مضاعفة، لأن وظيفة هذا الطرف لن تقتصر على الرقابة التقنية، بل ستشكل إحدى ركائز الثقة المتبادلة بين الطرفين. والوصول إلى لائحة مختصرة من الجهات المرشحة يعكس تقدماً فعلياً، لكنه يبقى مرتبطاً بالتوافق السياسي على هوية الجهة التي ستتمتع بالمصداقية والقدرة على فرض تقاريرها كمرجعية ملزمة.
أما في الملف الإنساني، فإن تبادل اللوائح الأولية للأسرى، مقروناً بالإصرار اللبناني على إطلاق الدفعة الأولى بأسرع وقت، يكشف أن بيروت تسعى إلى تحقيق إنجاز ملموس يعزز الثقة الداخلية بمسار التفاوض، ويؤكد أن العملية لا تقتصر على ترتيبات أمنية مجردة، بل تمتد إلى معالجة الملفات الإنسانية التي تشكل جزءاً أساسياً من أي تسوية مستدامة.
تكشف نتائج جولة روما أن النقاش تجاوز حدود معالجة الوضع الميداني الراهن، ليتحول إلى بحث في شكل النظام الأمني الذي سيحكم الحدود اللبنانية الإسرائيلية خلال السنوات المقبلة. ويبرز ذلك من خلال الاتفاق على اللجوء إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد يشكل المرجعية الأممية لمرحلة ما بعد قوات "اليونيفيل"، في مؤشر إلى وجود إدراك مشترك بأن الإطار الدولي الحالي قد لا يكون كافياً لاستيعاب التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة.
ولا يقتصر الأمر على البحث عن مرجعية أممية جديدة، بل يمتد إلى مناقشة اتفاق أمني جديد ينظم العلاقة الحدودية ويحدد قواعد الاشتباك وآليات الرقابة والتنفيذ. وهنا يبرز خلاف آخر يتعلق بالمرجعية القانونية لهذا الاتفاق؛ فبينما يطرح خيار الأمم المتحدة بما تمنحه من شرعية دولية، يبرز في المقابل خيار الضمانات الأميركية باعتبارها الطرف الأكثر انخراطاً في الوساطة والأقدر على متابعة التنفيذ ميدانياً. ويعكس هذا النقاش إدراكاً بأن أي تفاهم لن يكون قابلاً للحياة ما لم يقترن بمرجعية قانونية واضحة وآلية تنفيذ تحظى بثقة جميع الأطراف.
وفي موازاة ذلك، جاء الوعد الأميركي بتقديم أجوبة حول ملف وقف إطلاق النار ليؤكد أن واشنطن لا تزال تمسك بالمفاتيح الأساسية للمفاوضات، وأنها تحاول إدارة التقدم التدريجي عبر معالجة كل ملف على حدة، بما يمنع انهيار العملية التفاوضية نتيجة الخلافات السياسية الكبرى. كما أن استمرار التواصل الأميركي المنفصل مع بيروت وتل أبيب بين الجولات يعكس اعتماد دبلوماسية مكوكية تهدف إلى تضييق هوة المواقف قبل العودة إلى الطاولة المشتركة.
وعلى الرغم من أن الأول من أيلول طُرح موعداً مبدئياً لجولة جديدة، فإن هذا التاريخ يبدو أقرب إلى محطة تنظيمية منه إلى موعد حاسم، إذ إن انعقاد الجولة المقبلة سيبقى رهناً بمدى نجاح الوساطة الأميركية في الحصول على مواقف سياسية أكثر مرونة من الطرفين. فالمفاوضات وصلت إلى مرحلة لم تعد تعاني نقصاً في الحلول التقنية، بل أصبحت تصطدم بالحسابات السياسية والأمنية التي تحدد سقوف التنازلات الممكنة.
وبذلك، يمكن القول إن جولة روما لم تنتج اتفاقاً نهائياً، لكنها أسست لبنية تفاوضية متقدمة قد تشكل قاعدة لأي تسوية مستقبلية. فقد نجحت في تضييق الفجوة على المستوى العسكري والتقني، فيما بقيت الملفات السياسية الكبرى، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار، وآلية الانسحاب، والضمانات الدولية، والمرجعية القانونية، معلقة بانتظار قرار سياسي لم تنضج ظروفه بالكامل بعد. وهذا ما يجعل مسار التفاوض مفتوحاً على احتمالين متوازيين: إما البناء على التقدم التقني للوصول إلى اتفاق تدريجي، وإما بقاء هذا التقدم مجمداً إذا استمرت الاعتبارات السياسية والإقليمية في تجاوز قدرة الوسطاء على إنتاج تسوية نهائية.