موقع النشرة
بعد نحو أسبوعين تدخل الأزمة في سوريا النصف الثاني من عامها الثاني، وصحيح أنّ العمليّات القتالية بين الجيش السوري النظامي والقوى المسلّحة المعارضة للنظام لم تبدأ من اليوم الأوّل، لكن الأصحّ أنه مضت أشهر طويلة على المعارك، وأسابيع عدّة على إستخدام الجيش السوري "ثقله" في المعركة، من دون أن يتمكّن من الحسم العسكري بعد، حيث لا تزال التقارير الواردة من سوريا تشير إلى معارك على إمتداد الخريطة الجغرافية لسوريا، من المناطق الحدودية إلى العمق السوري، فما هي الأسباب؟
أوّلاً: في العلم العسكري توجد جبهات قتال تمتدّ من النقطة "ألف" إلى النقطة "ياء" مع ما بينهما من نقاط وصل. وبالتالي لخرق أي جبهة من الضروري على القوى المهاجمة كسر الخط الأمامي لتصبح في عمق نطاق عمل القوى المدافعة، ما يُجبر هذه الأخيرة على الإنسحاب، وربما إلى الإستسلام في حال تطويقها. لكن ما تقوم به قوى المعارضة السوريّة المسلّحة هو قريب جداً من "حرب العصابات" التي يصعب على أكثر الجيوش تطوّراً مواجهته. فقوى المعارضة تتجنّب حالياً الأخطاء التكتيكيّة التي إقترفتها في بداية المواجهات العسكريّة، لجهة السيطرة على منطقة محدّدة وإقامة جبهة واسعة فيها، خاصة إذا كانت محاصرة، لأنّ التفوق، في هذه الحال، هو بالتأكيد للجيش السوري النظامي الأكثر عدداً وتنظيماً، والأفضل تجهيزاً وخبرة. ولا توجد في سوريا حالياً جبهات ثابتة بالمعنى الكامل لكلمة جبهة، بل عمليّات كرّ وفرّ من منطقة إلى أخرى، مع بعض الإستثناءات المتفاوتة الحجم والأهميّة، وفي طليعتها حلب على سبيل المثال لا الحصر، والتي لا تزال تصلها الإمدادات عبر الحدود مع تركيا على بعد 50 كلم. وغياب الجبهات سمح للقوى المعارضة بالحد من خسائرها عبر التفرّق في مساحات شاسعة ضمن مجموعات قتالية غير كبيرة، من الصعب تتبعها. وصحيح أنها لا تستطيع فرض سيطرتها بشكل دائم على منطقة محدّدة، لكنها تتمتّع بمرونة حركة كبيرة، تمكّنها من تنفيذ هجمات وضربات قاسية، قبل الإنسحاب والتفرّق من جديد. كما أنّ الطبيعة الجغرافية للأرياف السورية التي من السهل الإختباء فيها، لا تصب في صالح الجيش النظامي. وحتى في بعض المدن، الشوارع ضيّقة، ولا تسهّل تقدّم الدبابات والمدرّعات حيث يمكن ضربها وتعطيلها. وكذلك إنّ بعض الأماكن مثل حي الميدان على سبيل المثال لا الحصر، هي قريبة من مواقع حسّاسة للدولة السورية، ما يحول دون إمكان قصفها بالمدفعيّة الثقيلة والبعيدة المدى، خشية إصابة المرافق الحيويّة المحيطة.
ثانياً: في العلم العسكري توجد هرميّة عسكرية تتولّى العمليّات القتالية على الأرض، ويتم نقل الأوامر من أعلى الهرم نزولاً، مثلاً من قائد لواء معيّن إلى قادة الكتائب فيه، ومن قادة هذه الأخيرة إلى قادة السرايا، ومنها إلى قادة الفصائل العسكرية، وحتى إلى قادة الحضائر. وبالتالي لضرب خط الأوامر ولإرباك القوى المدافعة، يتم العمل على تصفية قادتها الميدانيّين، والتنصّت عليهم ورصد تعليماتهم، أو حتى محاولة الدخول في صفقات مع البعض منهم، وهذا الأمر مستحيل مع القوى المعارضة السوريّة المسلّحة التي هي عبارة عن مجموعات قتالية غير نظاميّة، وتفتقر كلياً إلى الهرميّة العسكريّة. وحتى اليوم، يُقدّر عدد الضبّاط المنشقّين من الجيش السوري النظامي بنحو 250 ضابطاً في أفضل الأحوال. ونصف هؤلاء الضباط هو خارج الأراضي السورية، ولا يشارك بالعمليّات الميدانية! وبالتالي إنّ عدد الضباط الذين ينظّمون حركة القوى المعارضة هو قليل جداً نسبة إلى حجم القوى المقاتلة، والتي يُقدّر عددها حالياً بنحو عشرين ألف مقاتل متمرّس في الحروب أو يتمتّع على الأقل بتدريب عسكري عال، يضاف إليها ضعفي هذا العدد من الشباب المتحمّس والمندفع والذي يفتقر إلى أي خبرة عسكرية مهمّة. والعدد الإجمالي للمقاتلين المعارضين يتطلّب 2000 ضابط بالحد الأدنى لترتيب الصفوف والعمليّات. وصحيح أنّ غياب الهرمية العسكرية المنظّمة لقوى المعارضة السورية أدّى إلى ضعف التنسيق في ما بينها، وأسفر بالتالي عن الفشل في تنظيم العمليّات العسكرية وفي وضع خطة قتاليّة موحّدة ضد الجيش السوري، لكن الأصح أنّ هذه "الفوضى" - إذا جاز التعبير، جعلت قيام الجيش السوري بإبادة مجموعات قتالية كاملة للمعارضة غير مهمّ، نتيجة إستقلال الخلايا القتالية للمعارضة بعضها عن بعض بشكل كامل، وتحركها ضمن مجموعات عشوائية من دون توجيهات قياديّة.
ثالثاً: في العلم العسكري توجد تكتيكات وأساليب قتالية تتبعها الجيوش المنظّمة، وتوجد أسلحة معيّنة بحوزتها، بحيث يتم تحديدها إن عبر الرصد المسبق أو عبر العمل الإستخباراتي، قبل التدرّب على سبل مواجهتها، وعلى إفشال فعاليتها، وعلى إعتراض هجماتها وضرباتها. لكن مع القوى المعارضة السوريّة المسلّحة هذا الأمر مستحيل، نتيجة تكوّن المقاتلين من مجموعات غير متجانسة على الإطلاق، مجتمعة تحت راية إسقاط النظام في دمشق، وبالتالي لا يوجد نمط عمليّات موحّد، ولا أسلوب قتال مشترك. وصحيح أنّ عناصر الجيش السوري المنشقّة لها "حصّة الأسد" ضمن القوى السورية المعارضة، لكنها مدعومة بشكل غير مباشر من مقاتلين غير نظاميّين من "الإخوان المسلمين"، ومن قوى إسلامية أخرى. حتى أنه توجد عناصر غير سوريّة تقاتل الجيش السوري وتقدّر بنحو 1500 عنصر، من جنسيّات عربيّة وأجنبيّة مختلفة (أفغانستان، باكستان، الشيشان، تركيا، ليبيا، تونس، الأردن، العراق، إلخ.)، وهي تتميّز بشراستها وبخبرتها القتالية نتيجة مشاركتها في معارك سابقة في مناطق أخرى من العالم.
وفي الخلاصة، وللأسباب المذكورة أعلاه، إنّ سقوط حلب أو غيرها من المدن السورية، لا يعني إطلاقاً أنّ الحسم العسكري هو الذي سيسود، علماً أنّ الهجمات على حلب دخلت أسبوعها الرابع من دون تحقيق نتائج ميدانية مهمّة إستراتيجياً. والأكيد أنّ مسألة الحسم العسكري النهائي للعمليّات القتالية في سوريا بعيدة في هذه المرحلة، في إنتظار تبدّل المعطيات الحالية، من عسكرية محلّية، مروراً بالسياسيّة الإقليمية، وصولاً إلى لعبة المصالح والتوازنات الدوليّة. وهذا موضوع آخر يستوجب بحثاً مستقلاً. وفي الإنتظار، إنّ الشعب السوري سيبقى للأسف يدفع ثمناً غالياً ضحيّة أن يعيش بكرامة وحرّية وأمان.