أعرب المهندس عصام الحوطي عن عميق امتنانه للجهود التي بذلت للافراج عنه، وخروجه من محنة الخطف على ايدي مسلحين لبنانيين في منطقة البقاع وسط لبنان، وبعد وصوله الى بر الأمان.
«ادركت عمق العلاقات... أحسست بأني ملك دون تاج... وتاجي هو أنني كويتي»، مؤكداً انه سيرجع الى لبنان مرات ومرات، «لأنني لبناني الهوى»، وموجهاً بذلك رسالة الى معنى العلاقة الخاصة بين الشعبين الكويتي واللبناني بقوله «ياجبل ما يهزك ريح».
وشرح المهندس الحوطي (54 عاماً) لصحيفة "الراي" الكويتية تفاصيل عملية اختطافه من أمام منزله المستأجر في شرق لبنان، وحتى لحظة تحريره ووصوله الى منزل احد المسؤولين اللبنانيين، بقوله «أحسست بأني ملك غير متوج وتاجي انني كويتي»، ومستعيداً لحظة لقاء زوجته وابنته التي كان قبلها متماسكاً ومؤمنا بقضاء الله «فأجهشت بالبكاء لأنني خرجت من الموت».
واضاف الحوطي مدير المشاريع الكبرى في شركة نفط الكويت، ان التعذيب الأكبر له طيلة ساعات الخطف والقيود موضوعة في يديه ورجليه والقناع على عينيه، ابلاغه من الخاطفين انه في الاراضي السورية، وانهم سيجبرونه على الاعتراف بكل شيء، وذلك عقب اتهامهم له بأنه عضو في «الجيش السوري الحر» وهو الجناح العسكري للمعارضة السورية التي تقاتل لاسقاط نظام بشار الأسد.
ورغم الجروح التي تركها الخاطفون في جسد عصام، الا ان المساعي الحثيثة المواكبة لعملية تحريره والرعاية السامية له التي قضت بنقله الى البلاد فوراً، فضلاً عن الاحتضان الحار الذي لقيه في مطار الكويت انسته الاصابات والكدمات بعد ضربه بالسلاح، ما ترك اوراماً في اليد وجرحاً اسفل القدم واصابة في الرأس، عدا الألم النفسي والمعنوي، مشيراً الى المفاجأة مما رآه من استقبال رسمي وشعبي واعلامي.
وفي ما يلي تفاصيل رحلة الخطف على مدى ثلاثة ايام:
• نريد أن نبدأ بوجودك في لبنان بالرغم من طلب السفارة عدم السفر الى لبنان... فما سبب وجودك؟
- أولاً أنا مُحب لهذا البلد منذ زمن بعيد، ودائم السفر إليه، ولي علاقات اجتماعية جيدة، بالاضافة الى ان زوجتي الثالثة لبنانية ولي منها ابنة (حنان). وقد كنت في الكويت وسافرت آخر يوم في شهر رمضان المبارك للسياحة وزيارة أهل زوجتي، واستأجرت شقة في منطقة يراق وعلاقتي بجيراني جيدة جداً.
• في المنطقة مشاكل، فلماذا اخترت السكن بها؟
- هذه منطقة أنسبائي وعلاقتي بهم وبالجيران جيدة وليست المرة الأولى التي أسكن فيها، بالاضافة الى اني انسان بحالي وليس لدي مشاكل مع أحد.
• ما صحة أن هناك شيخاً من الاسرة كان من جيرانك وله دور في الدفاع عنك؟
- لا... جاري كان رجل دين شيعياً، وقد تدخل يوم خطفي وحاول انقاذي ولكن صوت الرصاص الذي أطلقه الخاطفون أبعده عن الأمر.
• أين كنت قبل لحظة الخطف؟
- كنت في بعلبك مع أم زوجتي واخوانها، نتناول الافطار في أحد المطاعم، ثم أنزلتهم في بيتهم ورجعت لوحدي لشقتي حتى أبدل ملابسي وآخذ زوجتي وابنتي ونرجع لبيتهم، لاننا معزومون على غداء (زبائح) احتفالاً بنا. وكانت الساعة 11 صباحاً وعندما وصلت عند البيت بأمتار استوقفتني سيارة مدنية، ونزل منها عسكري و3 مدنيين.
• ما نوع سيارتك؟
- سيارتي «كيا» وبأرقام كويتية ومعروفة بالمنطقة.
• ماذا طلب منك العسكري؟
- لم يطلب شيئاً بل سحبني من السيارة، لدرجة اني لم أستطع ايقافها وذهبت تمشي حتى دخلت بساتر ترابي وسحبني وهو يصرخ «انزل... انزل» وممسك بلوزتي لدرجة انزعتني اياها وأصبحت عارياً إلا من البنطلون، وسحبني بقوة الى سيارته وتدخل أصدقاؤه حتى أدخلوني الى سيارتهم وانطلقوا بي.
• لماذا يضربونك وهم مسلحون؟
- هذا شيء مستغرب لأني بيدهم وضعوا القيود بيدي، وراحوا يصرخون علي ويسبوني. وكأن هناك شيئاً غير مفهوم في الموضوع.
• ما لهجتهم؟ وهل سبق أن رأيتهم من قبل؟
- لبنانية ولم أرهم من قبل ولا سابق معرفة معهم.
• هل أخذوا شيئاً من سيارتك؟
- لا لم يأخذوا شيئاً بل وجدت زوجتي هاتفي وبوكي به كل أوراقي وفلوس والتي شيرت وعليه دمي ونظارتي المكسورة.
• هل ساعدهم أحد على اعتقالك؟
- أتت سيارة اخرى ونزل منها افراد ايضاً لمساعدتهم في اعتقالي.
• هل تدخل الجيران؟
- نعم تدخل الجيران ومنهم شيخ الدين الشيعي وقاموا باطلاق نار في الهواء وعندي رجلي حتى يتفرقوا.
• كم كان السير بالسيارة؟
- قرابة نصف ساعة ثم انزلوني وصعدت سيارة اخرى، وبعد نصف ساعة تقريباً، انزلت منها وصعدت سيارة ثالثة، واخذت تقريباً ساعة حتى نزلت وادخلت مكاناً لا اسمع به شيئاً وتم ربط رجليّ ويدي وفي كل الاوقات كنت مغطى بقناع منذ لحظة اعتقالي حتى الافراج عني.
• ماذا حدث بالضبط في اليوم الأول؟
- اعتقد عند وصولي الى المكان الاخير كانت الساعة الثالثة عصراً، وتقريباً الليل وبعد مرور 4 - 5 ساعات أتى لي شخص وسألني لماذا أنت هنا؟!
فقلت انا اسألك هذا السؤال لاني لا اعرف السبب.
فقال: عاوز شيء.
قلت: ابي ماء.
فجلب لي ماء وسندويشاً وتركني حتى الصباح.
• اليوم الثاني... ماذا حدث؟
- اليوم طويل والوقت لا يتحرك، وليس امامي الا الدعاء لله سبحانه بأن ينقذني من هذا المأزق، واخذت اتذكر ماذا فعلت حتى أصل الى هذه الحالة المزرية فاصابات في كل مكان بعد ضربي بالسلاح لحظة اختطافي ومقاومتي ويدي متورمة وتؤلمني واحس انني ذاهب للمجهول.
• ما الاصابات التي تعرضت لها؟
- هناك جرح في اسفل قدمي حتى اني اعرج منه الآن، واصابة في الرأس وجرح في ذراعي.
• ما حدث في اليوم الثاني؟
- لقد حقق معي شخص لمدة خمس دقائق فقط ثم خرج.
• ماذا سأل؟
- عن اسمي وجنسيتي وعندما أجبته قال انك متهم بأنك عضو في الجيش الحر السوري وتدعم الثورة السورية، فأنكرت ذلك فقال أنت كاذب.
ثم سألني هل تريد شيئاً فقلت له اريد سيجارة.
فطلب لي سيجارة واكلا من معاونيه وتركني.
• هل هناك أساليب استخدمت معك كالتعذيب النفسي مثلاً؟
- وجودي في هذا المكان هو تعذيب بحد ذاته، بالاضافة الى انهم يقولون لي اني موجود في سورية، واني سأعترف قريباً بكل شيء نريده منك.
• هل كنت تسمع أصواتا في مكان اعتقالك؟
- لا أسمع إلا اصواتهم يتكلمون في ما بينهم، وكأنهم حراس لمكان ما، لان عيوني مغطاة وجالس على مطرح ارض ومربوط اليدين والرجلين، حتى اني اصلي وانا جالس على الارض وفي الليل ألبسوني بلوزه.
• في اليوم الثالث ماذا حصل؟
- في صباح اليوم الثالث أتى لي شخص وعرفت من صوته انه من ضمن الخاطفين في اليوم الاول فقلت «الله يستر»، فقال لي نريدك ان تسجل مناشدة إلى والد زوجتك تقول فيه اني مختطف من قبل جماعة وأعطهم ما يريدون وانك موجود في سورية وساعدني قدر الامكان، ولم يحددوا اي مبلغ مالي.
• ولماذا وجهوا النداء إلى والد زوجتك وليس إلى اهلك أو السفارة؟
- لان والد زوجتي معروف ويعتقدون بانه سيقوم بمهنة الاتصال بأهلي او السفارة.
• وبعدها ماذا حصل؟
- في عصر اليوم الثالث أتى شخص وسحبني من يدي بعنف وأنا مغمض العينين، ورماني في دبة السيارة وسارت بي لمدة ساعة تقريبا وبطريق غير معبد، وبعدها توقف وانزلني من دبة سيارته واصعدني سيارة والذين خطفوني في المرة الاولى، وفتحوا القيود من يدي ورجلي وابقوا على القناع، ونمت في المقعد الخلفي وبجانبي شخص، وعندما احاول ان ارفع رأسي كان يضربني ويقول نزل رأسك.
وعندما وصلت إلى مكان ما توقفت السيارة، وقالوا لي سنقوم بانزالك الآن، وسر إلى الامام ولا تلتفت خلفك والا سنقوم برميك بالرصاص وبصوت عال وتهديد.
• وماذا حصل؟
- نزلت من السيارة وهربوا مباشرة، ولم اسمع اي اصوات وجلست قرابة 5 دقائق وانا خائف وغير مصدق ما يحدث، حتى اني لم ازل القناع عن رأسي، خوفا من ان يرموني، وبعدها خلعت القناع واذا بالدنيا، ليلا وبجانبي كنيسة وجلست بمكاني لأستوعب ما يحدث وبعد نحو نصف ساعة اتى إليّ رجل مهندم ولديه سيارة جديدة وقال انت «اللي رموك الخاطفون؟»، قلت نعم، فقال تفضل اركب معي فرفضت، وقلت له سأنتظر عمي ليأخذني ولن اصعد معك فقال لا تخف انا من رجال السيد نبيه بري، وانا من سأوصلك لاهلك.
فركبت معه بعد ان اطمأننت، واعطاني سيجارة وقام بشراء ماء من بقالة في الشارع، وبعد 10 كلم تقريبا صعدنا على طريق بعلبك فعرفت المنطقة التي كنت بها.
• وإلى أين ذهب بك؟
- لقد ذهبنا إلى منطقة (برتيال) وفي منزل بسام طليس وهو قيادي في حركة أمل، فتحت الباب زوجته ولم تعرفني فقال لها من كان معي هذا عصام الحوطي فاخذت تصرخ: يا عيني وينك ثلاثة ايام ما شفنا النوم ولا أكلنا أكل.
وأخذت تنادي زوجها «يا حج... يا حج» واخذوا يرحبون بي وقالوا السيد نبيه بري اعطى اوامره بان يفرج عن عصام الحوطي فورا ودون دفع ليرة واحدة وحركوا كل القوة الامنية للكشف عن موقعه ولا تناموا حتى يتم الافراج عنه. وللامانة لقد احسست بنعمة العلاقات الكويتية - اللبنانية، وبأنني ملك دون تاج في ذلك الوقت، وتاجي هو ان اكون كويتياً.
وبعدها حضرت الصحافة وتم عمل مؤتمر صحافي في بيت طليس.
وعندما وصلت الساعة قرابة العاشرة مساء وطلبت أن أذهب لأهالي رفضوا، وقالوا عليك الذهاب الى السفارة الكويتية الآن، وهم بانتظارك، فذهبت وسط موكب الى مبنى السفارة فوجدنا كل القنوات الاخبارية والصحافة وتم عمل مؤتمر صحافي أعلن من خلاله سعادة السفير الإفراج عني.
• ما شعورك عندما رأيت أهلك لأول مرة في بيت طليس؟
- كنت فرحاً جداً وبقيت متماسكاً حتى رأيت دموع زوجتي وابنتي فأجهشت بالبكاء لأني فعلاً أحس أني خرحت من الموت، ومن طريق مجهول لا أعرف نهايته والحمد لله أولاً وأخيراً.
• وبعد المؤتمر الصحافي الذي أجري في السفارة هل رجعت لبيتك؟
- بعد انتهاء المؤتمر قال السفير إن أوامر سامية صدرت بارجاعك فوراً الى الكويت، وعليه تم الاتصال بزوجتي لتجهيز أغراضي والاستعداد للسفر وها أنا بين أهلي وأحبائي.
• كيف رأيت الاستقبال الذي حصل في المطار؟
- لقد تفاجأت به وأسعدني جداً وكل الشكر لكل من تعنى واستقبلني في المطار ومن شخصيات ووسائل إعلام ولا أراهم الله مكروهاً.
• هل تعتقد ان اختطافك كان صدفة أم مقصوداً؟
- أعتقد ان الخاطفين كانوا يعتقدون اني خليجي وليس كويتياً وقد توهقوا (ارتبكوا) وفي تقديري ان موضوع الفدية كان مخرجاً للخروج من هذه الأزمة.
• أي جنسيات خليجية تقصد؟
- السعودية والقطرية.
• هل تعتقد ان هناك عمليات اختطاف تحصل لهم قريباً؟
- أعتقد أن هذا الأمر غير مستبعد، والخليجيون مقصودون في لبنان.
• ماذا استفدت من هذه المحنة؟
- القرب من الله سبحانه لأنه الملاذ الوحيد والصبر في هذه الأزمات ومعرفة مدى الحب والحفاوة التي يحفظها الشعب اللبناني للكويت ورأيت ذلك من خلال الحفاوة والاستقبال التي وجدتها بعد خروجي وعلى جميع المستويات.
• هل ستزور لبنان مجدداً؟
- أكيد ولا غنى عنها لأني لبناني الهوى والشعب اللبناني شعب راقٍ ولطيف ولا يمكن أن تؤثر هذه الأزمة في العلاقة بين البلدين وأقول للشعبين الكويتي واللبناني ياجبل ما يهزك ريح»؟
وجه الحوطي شكراً عميقاً إلى سمو أمير البلاد حفظه الله وولي عهده والحكومة والنواب وشعب الكويت الحبيب وآل الحوطي الكرام وشكر خاص الى وزير الخارجية الشيخ صباح الخالد والشيخ محمد الصباح والشيخ احمد ناصر الصباح ووكيل وزارة الخارجية خالد الجارالله الذين اجروا مكالمات معي وانا في السفارة لحظة الافراج عني وكذلك رئيس مجلس الامة جاسم الخرافي والنائب محمد الصقر.
والشكر الى رئيس جمهورية لبنان والسادة نبيه بري ونجيب ميقاتي وبسام طليس ووزيري الدفاع والداخلية وقائد الجيش جان قهوجي ولأسرة آل عرفات الكرام.