استعادة التمثيل المسيحي الكامل ضحيّة صراع المحاور الاقليمية

جوني منيّر

الجمهورية

على رغم انّ المدة الفاصلة عن موعد إجراء الانتخابات النيابية أصبحت ضاغطة، الّا انّ الغموض ما يزال يكتنف قانون الانتخابات، ما يعني ضمناً انّ الامور متّجهة عن قصد او عن غير قصد لإجراء هذه الانتخابات وفق القانون الحالي، على أساس انه سيصبح امرا واقعا.

وممّا لا شك فيه انّ مسألة صحة التمثيل المسيحي شكّلت أزمة وطنية كبيرة، حيث جاءت القوانين الانتخابية "الاستثنائية ولمرة واحدة فقط" منذ إقرار اتفاق الطائف وتسليم البلد للادارة السورية، لتستولي وتصادر بطريقة شرعية إرادة التمثيل المسيحي الصحيح.

ذلك انه مع إقرار اتفاق الطائف، جرى ضرب احد اهم بنوده من خلال إلحاق 20 مقعدا نيابيا جديدا جرى توزيعها بمعظمها على دوائر تتحكم بها القاعدة الناخبة الاسلامية.

وبذلك، جرى التعويض عن "الشكوى" الاسلامية بمنح المسلمين أرجحية التوزيع الطائفي لمقاعد المجلس النيابي، من خلال توزيع مقاعد مسيحية على دوائر انتخابية تعطي للصوت الاسلامي القدرة الكبيرة على فوز النواب، ما يعني وضعهم في حال "الأسر" السياسي. وفوق ذلك، جرى إقرار تقسيمات انتخابية لا تعتمد معايير موحدة.

واولى خطوات الرفض المسيحي حصلت مع الدعوة لمقاطعة انتخابات العام 1992، والتي قادتها بكركي، لكنّ المقاطعة الناجحة التي حصلت على الارض لم تثمر فعلياً بسبب الصفقات التي كانت قائمة ما بين "المجتمع الدولي" وسوريا التي منحت حق الرعاية الكاملة على لبنان.

ومنذ ذلك الحين استمرّ "تناتُش" الحصة المسيحية، وولِد ما عُرف يومها بالإحباط المسيحي. ولكن، ومع خروج الجيش السوري في العام 2005 من لبنان، اعتقد المسيحيون ان وقت إنصافهم حان، وبالتالي أصبح من الضروري استعادة حقهم الانتخابي. لكن الصدمة جاءت مع الاتفاق الرباعي والإبقاء على قانون غازي كنعان، وهو كاد ان يعتمد في انتخابات العام 2009 لولا التطورات الامنية التي حصلت في لبنان وأدّت الى اتفاق الدوحة.

ولأنّ الديموغرافيا في لبنان طرأ عليها تغييرات جذرية بسبب الحرب الطاحنة، فتقلّص الوجود المسيحي وتراجع في معظم الأقضية اللبنانية، بدا قانون الستين الذي جرى اعتماده غير قادر على تأمين صحة تمثيل فعلية على معظم المقاعد المسيحية. صحيح انه كان افضل من قانون غازي كنعان، لكنه بقي من دون الحد الادنى المطلوب. فخلال نقاشات اتفاق الطائف ولدت المعادلة التالية: التنازل عن بعض صلاحيات رئيس الجمهورية مقابل اعتماد نهائي للمناصفة، وهذا ما دفع بالبطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الى الاعلان في وقت سابق بأنّ الدستور أعطانا 64 مقعدا ونحن نريد الـ 64 مقعد.

وصحيح أنّ استرجاع الحق المسيحي بحصته النيابية كاملة يصطدم بعدة عوائق، منها الرفص الاسلامي الضمني لذلك، والصيغة التي تضمن تحرير كافة المقاعد هذه، ولو انّ مشروع اللقاء الارثوذكسي بدا الافضل في هذا الاطار، الّا ان العائق السياسي الابرز جاء مع الحسابات الجارية حول النتائج المتوقعة ما بين اصطفافي 8 و14 آذار. فوفق القانون الحالي، هنالك من يعطي أرجحية للوائح 14 آذار. امّا وفق القوانين الاخرى (النسبية او اللقاء الارثوذكسي) فإنّ الارجحية تصبح في المقلب الآخر.

وهذا يعني في الترجمة الاقليمية انّ المنتصِر في هذه الانتخابات سيعمد الى "طرد" الفريق الآخر من السلطة والعمل على تنظيفها لصالحه، خصوصاً انّ استحقاق رئاسة الجمهورية سيكون بعد أقل من سنة. وبما انّ الصراع الفعلي والحقيقي الدائر في لبنان هو تكملة للصراع الاقليمي العنيف ما بين المحورين الايراني والسعودي، فإنّ التعقيدات الاقليمية الكبيرة تشابَكت مع التناقضات والحسابات اللبنانية الداخلية، وجعلت النقاش حول قانون الانتخابات عديم الجدوى، ولو انّ ذلك يأتي على حساب استعادة حقوق المسيحيين.

وتقول بعض المعلومات ان هنالك مَن طرح على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي العمل على انضاج فكرة تقضي برَفع عدد اعضاء مجلس النواب الى 130 نائباً، حيث تعطى الاقليات مقعداً والطائفة الدرزية المقعد الثاني في منطقة عاليه، وذلك بهدف تمرير مشروع النسبية وإزالة معارضة وليد جنبلاط عليه.

لكنّ العارفين يسخرون من ذلك لأنّ جنبلاط يقف على ثابتتين، الاولى وتتعلق بالتمسّك بالحجم السياسي والنيابي الحالي لطائفته، والثانية موقفه الملتبس في الظاهر، ولكن الواضح ضمناً حول انتمائه الاقليمي.

لذلك، فإنّ الوصول الى الانتخابات النيابية على اساس هزيمة محور لآخر في لبنان، والشروع في ترجمة ذلك من خلال القبض على كامل مفاصل السلطة، سيعني حتماً فتح ابواب الصدام العسكري في لبنان، لا سيما انّ الاراضي السورية مشتعلة، لا بل ملتهبة.

من هذه الزاوية يكثر الحديث حول تأجيل الانتخابات النيابية، وبالتالي التمديد للمجلس النيابي. واللافت انّ العواصم الغربية المتابعة للواقع اللبناني، ولا سيما باريس، والتي تبدو مصرّة لا بل مصممة على حصول هذه الانتخابات في موعدها الدستوري، بدأت تظهر فيها هَمسات حول إمكانية حصول هذا التأجيل لمدة ستة اشهر او سنة.

وصحيح انّ هذه العواصم هي على أهبة إطلاق حركة دولية ضاغطة لصالح إجراء هذه الانتخابات، الّا انها تدرك سراً انّ الاستقرار في لبنان اهم من الانتخابات، والتعقيدات الداخلية قادرة على "فَركَشة" النوايا الدولية.

لا بل انّ هذه العواصم، ولا سيما العاصمة الفرنسية، تدرك ان الولايات المتحدة الاميركية هي على أهبة فتح باب مفاوضات مع ايران من خلال مجموعة الدول الست، وانّ هذه المفاوضات ستبدأ من الملف السوري والساحة اللبنانية.

لذلك، في حال حصلت هذه المفاوضات، وفي حال نجحت في بدايتها في إرساء تفاهم حول لبنان على اساس ترتيب مُسبق لمرحلة ما بعد الانتخابات أيّاً تكن نتائجها، فإنّ ذلك سيعني حصول الانتخابات في موعدها ووفق أيّ قانون كان، كما حصل مع انتخابات العام 2009 ومسألة الثلث المعطل وبقية نقاطه... اما في حال العكس او تأخّر المفاوضات، فإنّ تأجيل هذه الانتخابات يصبح امرا واردا ولبضعة اشهر، ريثما يحصل الاتفاق الاقليمي.

لذلك، اندفعت مصر باتجاه لبنان، في محاولة لحَجز موقع في المشهد الاقليمي الواسع، على اساس معادلة ايران - مصر كبديل عن سوريا- السعودية، على رغم انّ هنالك من يرجّح معادلة ايران- تركيا، في حال نجحت المفاوضات الاميركية - الايرانية الموعودة.