ايلي فواز
NOW
"هناك مصيبة معيشية" سمعناه يقول، وإن "حجم المعاناة في لبنان أصبح كبيراً جداً"، وإن الحل يكمن في تشكيل "لجنة عمل وطني لتضع خطة وطنية وبرنامجاً وطنياً لحل المشكلات، يتم تنفيذها من قبل الحكومة".
طبعاً السؤال الأول الذي يتبادر إلى الأذهان هو ما قيمة الحكومة في هذه الحال؟ إن كان عملها لا يشمل وضع خطة اقتصادية والعمل على حل مشاكل المواطن الاجتماعية والاقتصادية فما نفعها؟ وإن كانت بهذا الكمّ من العجز فلماذا لا تستقيل وتفسح المجال أمام أشخاص يستطيعون ممارسة العمل الحكومي؟ اللهمّ إلا إذا كانت كل مؤسسة في لبنان بحاجة إلى إرشاد ولجان ومؤسسات ظلّ، تعمل في الظل ومن خارج الدستور، كالدول التي يتماهى معها القائد الملهم.
هناك مصيبة معيشية، صحيح، ولكن ما هو ليس صحيحاً أن تلك المصيبة أوصلت "إلى الجرائم والسرقة والأمراض النفسية والأزمات النفسية".
الأصح أنه عندما يرفض القائد تسليم متهمين لديه للمحاكم الخاصة والمحلية، يشعر المواطن "الشريف" أنه يحق له ما لا يحق لغيره، فيصنع الكبتاغون ويهرّب الأدوية الفاسدة واللحوم الفاسدة أيضاً، ويصير لكل عائلة مقرّبة من الحزب جناح عسكري تتحدى به أمن الدولة والمواطن. وعندما تفقد الدولة هيبتها على أعتاب الغيتو الإلهي، وعندما يصبح مبدأ المحاسبة والمحاكمة والجزاء والعقاب استنسابياً، وقتها فقط تتفشى الجرائم والسرقات والأمراض النفسية. وأنت أيها القائد، المسؤول الأول عن تلك الحالة.
صحيح أن حجم المعاناة كبير، ولكن حجمها ناتج من اغتصاب اقتصاد الدولة من قبل كل "شريف" كما في مرفأ بيروت مثلاً، حيث، على ما يقال، يمكن تهريب "فيل في عز النهار" من دون أن يتجرأ أحد على السؤال حتى، أو كما في حالات الربا "التاج الدينية"، أو حتى في حالات التوظيف الإرغامي في مؤسسات الدولة، حتى ولو أدى إلى إنهاكها كما حال الكهرباء مثلاً، أو تذكروا كما في حالة شركة طيران الشرق الأوسط التي لم تستطع صرف الفائض "الشريف" من موظفيها تحت طائلة افتراش مدرجات المطار بالبشر الغاضب. فلا يمكن والحال هذه لأي حكومة في العالم أن تصمد ماليتها وأن تحلّ مشكلة مؤسساتها ومشاكل المواطن فيها، طالما هناك اقتصاد رديف يمتص خيراتها، وأنت أيها القائد، المسؤول الأول عن تلك الحالة.
طبعا هناك مصيبة معيشية، فالسائح لا يأتي إلى ربوعنا، واللبناني بالكاد مرحّب به في دول الخليج، مع العلم أن اقتصاد البلد يعتمد على أمرين اثنين في يومنا هذا(حتى يستخرج وزير الطاقات غازنا البحري): الاقتصاد السياحي، واقتصاد الهجرة، وكلاهما معدومان لأن الكلام العالي النبرة والتهجمي والسياسة العدائية التي يعتمدها القائد ضد دول الخليج تمنع السياح العرب من القدوم إلى لبنان، كما تجعل شركاتها كثيرة التردد في استخدام لبنانيين، كل تلك الأفعال تفضي إلى وجود مصيبة معيشية، وأنت أيها القائد، المسؤول الأول عن المصائب التي تضرب اقتصاد لبنان.
من يتعدى على نتائج الانتخابات الديمقراطية ويزيح حكومة شرعية بقوة القمصان السود، ومن يعطّل عمل كل الحكومات من خلال بدعة الثلث المعطل، ومن يعلن أن 7 أيار يوم مجيد، ومن يحتقر الطائف ويدعو تارة إلى مؤتمر تأسيسي للبنان، وتارة أخرى إلى لجنة عمل وطني، ومن يملك قرار الحرب والسلم من دون توكيل شعبي، ومن يبدّي مصلحة الولي الفقيه على مصلحة لبنان في حال تعارضهما، كما في حرب تموز مثلاً، يكون هو المسؤول الأول عن حالة البلد المزرية التي وصلنا إليها.
ومن يكون نهجه كهذا بالطبع هو لا يفتش عن حلّ ينقذ الوطن ويريح المواطن، إنما عن بدعة تقيه شرّ البلية الآتي عليه من سوريا...