ريمون مارون - مركز الشرق الأوسط للابحاث والدراسات الاستراتيجية - MEIRSS
في لحظة مفصلية من تاريخ الجمهورية، تعلو الأسئلة التي طالما أُرجئت: لمن الكلمة الأخيرة؟ من يحتكر المعنى حين تتنازع القوى على امتلاك أدوات العنف والشرعية؟ إن عهد الرئيس جوزاف عون يجد نفسه، لا بفعل اختياراته الذاتية فقط، بل في سياق إرثٍ معقد من الخلل البنيوي، أمام مفترق يتجاوز الوظيفة الحكومية نحو سؤال الكينونة السياسية في ذاتها.
ليست المسألة في جوهرها مرتبطة بأداء إداري أو إصلاحي، بل في طبيعة العلاقة بين الشكل والمضمون، بين الدولة كجهاز والنظام كمنظومة رمزية. الدولة لا تُبنى على التعدد في مراكز القرار، ولا تنمو في ظل تنازع بين ما هو شرعي قانونًا وما هو شرعي بحكم القوة. وكلما تأخر الحسم بين هذين الحدين، غاص الكيان في المزيد من التآكل المعنوي والتشظي السيادي.
الرئيس جوزاف عون لا يواجه فقط تحديات الفقر والانهيار، بل يواجه التحدي الأعمق: إعادة تعريف حدود الدولة. وسلاح حزب الله في هذا السياق ليس مجرد ملف سياسي أو أمني، بل هو التعبير الأوضح عن انتفاء التوحيد في المرجعية. وحين تصبح القوة خارج السياق المؤسسي، يتحول المواطن من شريك في العقد الاجتماعي إلى كائن معلّق بين هوية غير منجزة وشرعية مفرغة من مضمونها.
ليس التعدد في القوة ما يصنع التوازن، بل التعدد في الأفكار داخل نظام موحّد في السلطة. وحين تهيمن القوة خارج المؤسسات، تصبح السياسة لعبة علاقات عامة، لا فعلًا يؤسس للعدالة. وهذا ما نراه حين تتحول الدولة إلى واجهة، والحكومة إلى إدارة أزمة، فيما جوهر السلطة يخرج من نطاق الفهم الجماعي إلى يد فئة تعبّر عن ذاتها وتُلبسها لباس الوطن.
إن استعادة القرار الوطني، في زمن التداخل الإقليمي والتباسات الهوية، ليست مهمة إجرائية بل مشروع وجودي. يتطلب الأمر شجاعة فلسفية لا تختبئ خلف شعارات الواقعية السياسية، بل تواجه حقيقة أن أي سلطة تُمنح خارج المسار الدستوري هي سلطة تعيق الارتقاء نحو الدولة كقيمة، لا كمجرد كيان قانوني.
الصمت في هذا السياق لم يعد حكمة، بل تراخٍ مع العدم السياسي. والتسويات المرحلية تكرّس الشلل، ولا تنتج حركة. إن نزع السلاح الموازي ليس فقط مطلبًا سياديًا، بل فعلًا يؤسس لعودة المعنى إلى مفردات الجمهورية: السيادة، المواطنة، والمسؤولية.
لا خيار أمام هذا العهد إلا أن يُعيد طرح السؤال الجوهري: من نحن؟ وما الذي نريده من كيان اسمه الدولة؟ وحين يتأخر الجواب، ينمو الفراغ، وتتآكل الرمزية، ويفقد المواطن مرآته في مرآة الوطن.
فهل يجرؤ أحدهم على الإمساك بالزمام وإعادة الاعتبار لما كان يجب أن يكون بديهيًا؟ أم أننا لا نزال أسرى لعقود من التبرير باسم الممانعة والخوف والانتظار؟