شكرًا نعمت عون… شكرًا mtv
05 Dec 202514:52 PM
شكرًا نعمت عون… شكرًا mtv
حازت زيارة الأب الأقدس البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان على حيز واسع من الاهتمام العالمي والمحلي والشعبي، لما حملته من أبعاد إنسانية وروحية عميقة.

فقد تجلّى البُعد الإنساني في مواقف مؤثّرة رافقت زيارته، أبرزها زيارته التاريخية إلى دير الصليب ولقاؤه الراهبات اللواتي يخدمن الفئات المنسيّة والمرضى والفقراء ومن قست عليهم الحياة، إضافة إلى لقائه عائلات ضحايا انفجار المرفأ، في لفتة تضامن أبوية تركت أثرًا بالغًا في قلوب اللبنانيين وأعادت إليهم شيئًا من الدفء في وطن أثقلته الجراح.

أما البُعد الإيماني، فتكامل بزيارته بلدَة عنايا حيث ضريح القديس شربل، الراهب اللبناني من بقاع كفرا، والذي أصبح قديسًا عالميًا بفضل شفاعته التي تتجاوز الحدود الجغرافية والدينية، وبالقداس الإلهي الذي احتشد له مئات الآلاف على الواجهة البحرية لبيروت، وبسائر المحطات الروحية التي شكّلت لحظات رجاء في زمن اليأس.

ومع كثرة المقالات التي تناولت هذه الزيارة من زوايا متعددة، ومن باب عدم التكرار، رأيتُ أنه من العدل أيضًا الإضاءة على ثلاثة عناصر أساسية برزت خلال الزيارة ولم تأخذ حقّها:

١- الدور الكبير والأساسي الذي لعبته السيدة الأولى نعمت عون في إنجاح هذه الزيارة.

٢- الدور الإعلامي النموذجي الذي قدّمته مؤسسة mtv.

٣- ما وصل إليه المسيحيون وأسبابه.

ومن خلال هذه العناصر الثلاثة تتّضح الصورة الأوسع للزيارة. وهنا لا بدّ من القول إنه صحيح أنّ زيارة الحبر الأعظم أعادت إلى هذه الأرض شيئًا من الضوء الذي انطفأ خلال سنوات الأزمات، وصحيح أيضًا أنّ الزيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية أو دعوة رسمية، بل كانت فعلَ حضورٍ أبويّ إلى شعب مُتعب، وقلب مُثخن بالجراح، وبلد يبحث عن بارقة رجاء وسط العتمة.

وفي عمق هذه الزيارة، برزت عوامل تركت بصمة خاصة ومؤثّرة.

كانت في مقدّمها ما قامت به السيدة الأولى نعمت عون، التي قدّمت نموذجًا مختلفًا عمّا اعتاد اللبنانيون رؤيته. فمنذ اللحظة الأولى، أصرت على أن تكون حاضرة في كل محطات الزيارة، لا من باب الاستعراض، بل من باب مسؤوليتها، لكن بتواضع وبفتح المجال أمام الشعب للمشاركة في هذه الزيارة التاريخية.

ففي حريصا، وبين آلاف المؤمنين، وقفت السيدة الأولى خلف الحاجز الحديدي كأيّ مواطنة جاءت لتشارك الناس فرحتهم بالحبر الأعظم وتعيش اللحظة. لم تطلب منصّة، ولم تبحث عن موقع متقدّم، بل اختارت أن تكون مع الناس، بينهم ومنهم.

هذه العفوية لم تمر مرور الكرام على الحبر الأعظم الذي تفاجأ بوجودها، في لحظة إنسانية تختصر الكثير.

هذا الحضور كشف حقيقة حاول بعض السخفاء تشويهها عبر ثرثرات فارغة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالانتقاد سهل، خصوصًا من أولئك الذين لا يفعلون شيئًا سوى الكلام. لكن الوقائع كانت أقوى من كل هذا الضجيج. فقد أثبتت زيارة الحبر الأعظم أنّ نعمت عون تمثل صورة مشرقة للبنان، وحرصت في كل محطات الزيارة على إبراز لبنان بمظهره الحضاري والإنساني.

السيدة عون أنيقة بمظهرها وروحها وشخصيتها، توزن أفعالها وكلماتها، وتضع الأشياء في مكانها الصحيح، وتعرف أين تقف وكيف تتصرف. وهذا ما ترك إعجابًا كبيرًا بشخص السيدة الأولى لدى أغلبية اللبنانيين.

أما في تفاصيل الزيارة، فقد كانت بصماتها واضحة لكن من دون ضجيج ولا ادعاء، بدءًا من استقباله في المطار وصولاً إلى القصر الجمهوري، مرورًا بكل محطات الزيارة، وصولًا إلى مغادرته.

ما قامت به نعمت عون ترك فخرًا كبيرًا في قلوب اللبنانيين بسيدتهم الأولى التي سهرت وتابعت أدق التفاصيل، وأرادت لوطنها أن يظهر بأجمل صورة.

البصمة الإعلامية التي قدّمتها شاشة mtv خلال الزيارة.

فقد أثبتت هذه القناة ورئيسها ميشال المرّ، مرة جديدة، أنها ليست مجرد وسيلة إعلامية، بل رافعة وطنية قادرة على جمع اللبنانيين حول حدث واحد مهما تنوّعت انقساماتهم.

كانت التغطية شاملة، دقيقة، جميلة في الصورة وغنية في المضمون. كانت نافذة واسعة مكّنت اللبنانيين في الداخل والاغتراب من متابعة كل لحظة من الزيارة.

انتشر مراسلوها في كل محطة، ونقلت الكاميرا المشاعر قبل الكلمات، والوجوه قبل التصريحات، فصار الحدث ملكًا لكل بيت لبناني.

وهذا الدور لم يكن مصادفة، بل نتيجة نهج إعلامي ثابت يحترم ذكاء المشاهد ووجدانه.

وإذا كان الجانب الروحي والإعلامي للزيارة واضحًا وناجحًا، يبقى أن نعود إلى السياسة ونتحدث عن الواقع المسيحي في لبنان، وهو واقع يطرح أسئلة عميقة.

فالمسيحيون الذين كانوا يومًا عماد الدولة، وجدوا أنفسهم في العقود الأخيرة في حالة نزيف سياسي وديموغرافي ومؤسساتي.

الهجرة أفرغت قراهم، والانقسامات السياسية مزّقت جسدهم، والأزمات الاقتصادية دمّرت ما تبقى من أمانهم الاجتماعي، فيما خلافات القيمين على شؤونهم حوّلت القوة المفترضة إلى نقاط ضعف قاتلة.

وجاءت زيارة البابا لتقول للمسيحيين إن قوتهم هي في رجائهم المشترك، وفي العودة إلى الأساس الروحي الذي ميّز حضورهم في هذا الشرق. غير أنّ المشهد اللافت كان تصدّر القيمين على الشأن المسيحي مقدمة القداس الإلهي؛ أولئك الذين طالما تبادلوا النزاعات والصراعات والخنادق، وجدوا أنفسهم جنبًا إلى جنب، يتبادلون التحيات وكأن شيئًا لم يكن.

مشهد جميل في الشكل، لكنه محمّل بالأسئلة: كيف استطاع هؤلاء الجلوس قرب بعضهم بعضًآ فيما الواقع بينهم قائم على الحقد والكراهية؟ لا نريد نكء جراح الماضي، لكن الحقيقة يجب أن تُقال: حروبهم كسرت ظهر المسيحيين، وكان أقساها حرب الأخوة ودخول القوات السورية للمرة الأولى إلى المناطق المسيحية، ومنذ ذلك اليوم كانت تضيع الفرص بسبب الحسابات الشخصية والتنافس العقيم.

ويبقى السؤال اليوم: هل سيبقى هذا المشهد مجرد صورة جميلة، أم يتحول إلى بداية جديدة؟

هل يدرك هؤلاء أن المسيحيين خسروا أكثر بكثير مما يحتملون، وأن استمرار هذا النهج سيقود إلى تراجع أخطر؟

إن زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر كانت جرس إنذار روحي ووطني دقّ بقوة ليوقظ الضمائر ويكشف المستور.

لقد قال الحبر الأعظم، أن لبنان ما زال قادرًا على أن ينهض، شرط أن يواجه نفسه أولًا، وأن يعترف أبناؤه سياسيين وروحيين  بأنهم مسؤولون عما وصل اليه لبنان.

إن ما جمعه البابا بنظرة وبابتسامة وبقداس واحد،  يثبتان أنّ البلد لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى صدق النوايا، وإلى وجوه تعمل بصمت، وإلى مؤسسات تعرف معنى المسؤولية.

إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن يستثمر الرسالة التي حملها البابا فيحوّلها إلى مشروع مصالحة واستنهاض وتجدد… وإما أن يتركها تتحول إلى ذكرى جميلة تُضاف إلى لائحة الفرص الضائعة. أعادت زيارة البابا إلى لبنان بعضًا من صورته التي يستحقها، وأعادت مواقف رئيس الجمهورية خلال هذه الزيارة شيئًا من الوهج والفخر إلى موقع الرئاسة في لحظة وحدة نادرة.

في الختام نكرر ما قاله قداسة البابا وما لا يجرؤ كثيرون على قوله:

"إن لبنان يستحق أفضل من صراعاته، وإن قدره أن يبقى نورًا إذا تخلّى أبناؤه عن الظلام الذي صنعوه بأيديهم".