صورة وذكريات
03 Jan 202608:50 AM
صورة وذكريات
مرّت الأعياد، وماذا بقي منها؟
لم يبقَ سوى صورة معلّقة على جدار الذاكرة، وذكرى تتردّد كصدى بعيد في القلب.
الصورة مرآة صامتة؛ قد تكشف الوجوه، وقد تُجيد إخفاء ما تختزنه الأرواح. ومع ذلك، تظل أصدق وسائل التعبير، تحمل المشاعر كما هي، أو كما نحب أن نراها، وتوقظ فينا ما حسبناه نام.
الصور والذكريات نوافذ مفتوحة على زمنٍ آخر، نطلّ منها فنغرق في الحنين، ونستعيد لحظات لا يطالها الغياب. لحظات تحفظ الفرح والألم معًا، لا يبدّدها الزمن بل يصقلها، فتغدو حكايات حيّة تنبض في داخلنا، تخبرنا مَن كنّا، ومَن صرنا، وما الذي ضاع من أحلامنا على الطريق.

في الصورة سحر الثبات؛ فهي لا تتغيّر، حتى حين تتغيّر الوجوه داخلها. تقف شامخة في وجه الزمان والمكان، لا يطالها التعب، بينما أنهكت الأيام أصحابها، غيّرت ملامحهم، أو اختطفتهم بصمت، فأبقَتهم أسرى إطار، معلّقين على جدار، أو مركونين في زاوية بيت، أو منسيّين في درجٍ بارد.
نلتقط الصور بشغف مَن يريد أن يتذوّق الحياة قبل أن تفلت من يديه، نوثّق اللحظات الجميلة خوفًا من ضياعها، علّها تبقى شاهدة علينا حين نعجز عن التذكّر. فالذكريات تمشي أسرع منّا، تمضي بلا انتظار، وحين نعجز عن اللحاق بها، تتقدّم الصورة لتقول لنا: هنا كنتم، وهكذا مرّت الأيام. عندها تتحوّل الأعياد والميلاد ورأس السنة إلى علامات عابرة في بحرٍ متلاطم من الزمن، نخوضه بلا يقين، ولا سترات نجاة.
لكن الصورة، مهما بلغت صدقها، تعجز عن حمل جوهر العيد. قد تُظهر الموائد والهدايا وشجرة الميلاد، بينما تختفي المغارة خلف الزحام، ويغيب المعنى خلف الأجساد. وحدها الذكريات تحفظ الجوهر، تسكن الضمير، وتهمس لنا بما كان، وترسم لنا دروبًا نتفادى فيها آلامًا قديمة وندوبًا لم تندمل.
أعيادنا، إذًا، صور جامدة تحتضنها الذاكرة، لحظات تبدو صادقة تختصر عمرًا كاملًا، توهمنا بأن الزمن توقّف ليمنحنا جمالًا عابرًا، لكنها تمضي بلا رجعة، ويستحيل استعادتها. "الأعياد بالحقيقة هي ليست بالزينة والأفراح الخارجيّة، بل هي فرصة لنا للدخول إلى أعماق نفوسنا، لتنقيتها من الشوائب والخطايا، بالتوبة والاعتراف، وتزيينها بالفضائل والأعمال الصالحة"، هكذا تتوضح الصورة والذكريات.

أمام أزلية الله، تبدو السنوات ومضةً لا تُرى، يومًا يمرّ كما تمرّ اللحظة. وما يريده الله ليس عدّ الأيام، بل تقديسها، أن يشرق وجهه في الإنسان، وأن تتجلّى صورته في المخلوق، فتغدو الحياة أيقونة، ويبقى وجه الله وحده عزاء القلوب وملاذها.
وأختم بالقول:
الصور القديمة لافتات ترحيب متآكلة على مداخل قرى مهجورة، تحمل حكايات بلا صوت، أمّا الذكريات، فهي نجمة تهدينا في العتمة، ودُرّة فخر نتزيّن بها.
فلنحفظ الذكرى نقيّة، غير ملوّثة، كي تبقى الصورة صافية، هادئة، مضيئة،
وليشرق وجه الله في وجوهنا، فتعكس الصور النور الحقيقي الذي أراده لنا.

#

فضل شاكر

المزيد