ما بالك، أيّها السيّد، تأتينا مع الآب وروحك القدّوس، وتدعونا إلى الانحناء أمامك؟
أما تعلم أنّنا أُرهقنا من كثرة الانحناء لأسياد هذا الدهر؟
تعبت رقابنا، وانحنت أرواحنا حتى العجز،
فلم نعد نقوى على الانحناء…
فلا تحسب ذلك علينا خطيئة.
نعترف لك بغلاظة قلوبنا،
نحن الشعب الذي كُتب لك في الأسفار، الذين حُمِلوا اسمك يومًا في جرن المعموديّة، ولبسوك هناك سرًّا وحياة.
خُتمنا بموهبة روحك القدّوس، لكنّنا نكثنا العهد وخنّا الوصيّة. فلماذا، يا رب، هذا الإصرار العجيب على قداستنا؟
أما سئمت قيادتنا إلى ملكوتك؟
أما أرهقتك خطايانا، وأتعبتك توباتنا الناقصة؟
أتيتنا طفلًا في العيد الماضي،
واليوم تأتينا إلهًا، مثلّث الأقانيم، تدعونا أن نولد ولادةً أخرى، من الماء والروح.
أيّة ولادة هذه التي وُلدنا بها من رحم نهر الأردن بعد أن خرجنا إلى النور من أرحام أمّهاتنا؟
ألم تكفِ تلك الولادة الأولى
لننعتق من عبوديّة السقوط وخطيئة الآباء؟
فجئتنا توقظ الضمائر، وتذكّرنا أنّ المعموديّة ليست طقسًا سطحيًّا، بل باب الملكوت، الطريق المفتوح إلى عرشك السماوي بعد أن أغلقته معاصي الأوّلين
ففتحته أنت بانحدارك إلينا.
جئتَ لتعتمد مع العبيد،
القاضي يقف في صفّ المحكوم عليهم.
سطع نجمك، ولا عجب،
فأنت من احتملت الآلام والجلد والصلب لأجلنا.
جئت إلى يوحنّا، فعرَفك بالروح أنّك المسيّا المنتظر،
فارتعد دهشةً من تواضعك،
هو المحتاج إلى العماد منك،
كيف يعمّدك؟
لكنّك، بلطفٍ أعمق واتضاعٍ أبهى، طلبت منه أن يُتمّ كلّ برّ، عن البشر الخطأة
الذين عجزوا أن يتمّوه
حين هربوا من التوبة والحياة الصالحة.
أيّ حبّ هذا؟
تأمّلوا هذا السرّ العجيب.
لنتعلّم الاتضاع، لا فقط أمام من هم أعظم منّا، بل أمام من هم دوننا مقامًا أو سنًّا.
ولنسأل أنفسنا بصدق:
هل نكلّم كلّ إنسان
بلطفٍ واتضاع؟
الصوت الذي دوّى على ضفاف الأردن:
«هذا هو ابني الحبيب»،
ما زال صداه يتردّد في المسكونة كلّها.
ويوحنّا يصرخ من جديد في أرجاء الأرض:
توبوا، لنيل مغفرة الخطايا.
فهل من سامع؟
هذا النبيّ، الذي نعته السيّد
بأعظم المولودين من النساء،
يُقتل مرّةً أخرى في كلّ زمان،
على أيدي الظلمة
الذين يتقمّصون روح هيرودس. وكم من هيروديّا اليوم تستغلّ براءة ابنتها
لتقتنص رأس الصارخين في وجه الظلم، وتقدّمه على طبق للحسّاد والطغاة وسلاطين هذا الدهر.
ينـزل المسيح إلى الأردن،
فتخضع طبيعة المياه وتُقدَّس.
هذا التيّار الجارف، المخيف،
يصير وديعًا مطيعًا أمام عظمة الخالق.
اليوم يتقدّس الأردن،
إذ يحتضن ذاك الذي يمسك الخليقة كلّها في قبضته.
كلّ شيء يتقدّس بحضورك…
أفلا نخضع لمشيئتك،
فننال نحن أيضًا قداسة.